كانت قد قاربت الواحدة ليلاً، سهرت لسبب لا يعلمه أحد ..لا أعلمه أنا أيضا ولهذا قررت تشغيل حمادة الاسمر في الخلفية بينما جلست بلا حركة ..بدأت الأنغام تتسلل اليّ بينما حمادة الاسمر يردد "تشكي لمين يجريح ..والناس كلها مجاريح"

 
كانت من عادتي السرحان في مفردات الكلمات وتقسيم المزيكا وتفصيل الآلات الموسيقية بينما تكررت الاغنية لأكثر من أربع مرات حتي صار كل شي فيها باهتاً..حتي كانت لحظة صدمني فيها عقلي بسؤال جديد من نوع مختلف لم يراودني من قبل..

بينما كنت جالسا بلا حركة تسأل عقلي عن السعادة .."متي اخر مرة كنت سعيداً ؟؟"، وانغام حمادة الاسمر مستمرة كما هي بلا أدني تغيير أو انقطاع 

"تعبت من البشرية ..والخلق جاية عليا"

-----------

قبل ان أتجول في مدارات البحث عن أخر مرة كنت بها سعيداً حاولت أولا البحث عن مفرد محدد للسعادة ..لعلني اذا وجدت الاجابة المناسبة لمعني السعادة استطعت تحديد متي كانت المرة الاخيرة التي كنت بها سعيداً..

دعبست قليلاً في ذكرياتي علني أجد مفهوم منطقي للسعادة ،، بداية من طفولتي المزرية حينما كان الجو مليئا بالخشونة والمشاغبة الطفولية ..تذكرت مشاجراتي القديمة ،تذكرت المسن الذي كنا نثير جنونه بشغبنا فيركض ورائنا بالعكاز الغليظ الذي يتسند عليه ،،اتذكر لحظتها الإبتسامة والنشوة التي تحملني بينما نهرب من امامه ..لأتذكر بعدها الحزن والغضب الذي يغلفنا بعدما ننسي الكرة خلفنا فيمسكها ويدخل منزله لوهلة ويخرج بعدها ويقف أمامنا ليرينا مشهد دموي بالنسبة لنا ،،حيث يمسك سكينة التقطها من المطبخ ويشق الكرة لنصفين ويلقيهما أمامنا..

اتذكر اننا كنا نأخذ نصف من الكرة بعد بكاء شديد فنلعب به " السبع بلاطات"، لتملأنا النشوة والإثارة من جديد فيخرج نفس المسن الذي أرانا المشهد المرعب لكرة بريئة يتم شقها لنصفين ،،يخرج ليركض ورائنا مرة ثانية بعدما حاولنا تخطي نكسة الكرة بالسبع بلاطات..لتحملنا نشوة الهرب بينما واحد من الاطفال يردد بعلو صوته :

"أجري يالا منك له..!!" 

يالها من طفولة حزينة ..رحمة الله علي جارنا العجوز وليسامحنا الله عما كنا نسببه بشقاوتنا..

----------

بينما لم أجد للسعادة أي مرادف في هذه الطفولة المثيرة للشفقة ،حاولت تذكر المدرسة ،،لقد كانت الدراسة هي مجالي المفضل ..الطفل النابغة وصاحب العقل المنير..

سمعتها من مدرسين كثر يرددوها أمام الفصل بأكمله: "شاطر يامحمد ..صقفوله يا ولاد" وأحيانا أمام أهلي حيث يقولون : "ابنكم ماشاء الله عليه ..من أحسن الاولاد اللي درستلهم ان مكنش الأحسن"،، أو مثل "ابنك دا هيبقي مستقبله عظيم ان شاء الله "

هل أستطيع تصنيف هذه اللحظات علي أنها لحظات سعادة ؟؟ ،،اظن انها كانت لحظات كبرياء وفخر واغترار بالذات بلا داع..

لماذا أقول هذا؟؟

لأنني ها هنا جالس بلا اي حركة أبحث عن معني السعادة بينما عمري يتخطي الثانية والعشرين وفي الخلفية حمادة الأسمر يستمر في ترديد كلماته بلا توقف..

"تشكي لمين ياجريح ..ما الناس كلها مجاريح"

-------

بينما المزيكا تزداد في سخافتها لسخافة تكرارها ،،أنتبهت لكم سيكون سخيفا لو استكملت الدعبسة المضنية في ذكرياتي عما هي السعادة أو متي أخر مرة كنت سعيداً..كان كافيا للغاية أن أغير الأغنية ليختفي التساؤل من رأسي بلا عودة ،،ويختفي معه أيضا ما تذكرته بعد مشقة في غمضة عين..