ينتابني اشتياق ملح لا أدري سببه لشخصية رفعت إسماعيل ، أحن بشكل جنوني للحظات "القاهرية" معه، أستغرب كيف لرواية وشخصية ومجموعة صفحات أن تجعلني أعشق مدينة قبلما أراها !

ربما لأنني هنا الآن ، أتمدد تحت النافذة وأتنفس فجر القاهرة ، وأتذكر دوما كلمته " القاهرة ، مدينتي العجوز" ، أستغرب كيف تذوقت حقا وحقيقة كوب الشاي فوق حافة شرفة تطل على ليل هذه القاهرة ، كيف أنصت لهدوء الشاورع المظلمة ونباح الكلاب التيهى الهائمة ، وأقسم أنني أحسست بقشعريرة الوحش النائم تمشي فوق ذراعي .

أسير ليلًا في شوارع القاهرة وأراقب أشياء ما بصرتها عيني من قبل بيد أني أقسم أني قد عشتها بتفاصيلها وأصواتها وصخبها ، حتى قلت لزوجي ضاحكة " أشعر كأنني في رواية لرفعت إسماعيل وسيطل جاثوم ما أو غول أو المومياء الميتى أو أيا كان الوحش الخارق في حكاياته برأسه الآن علينا" !

في المواصلات كان " الميني باص" يصول بالأصوات ، وصوت محصل التذاكر يرفع عقيرته بالمكان التالي لتوقف الباص ، والناس تتدافع للدخول والجلوس كيفما اتفق وجود مجلس لهم ، البعض يطلب من السائق أن " يدوس بنزين " شوية أي أن يسرع قليلا ، والبعض يلج الباص معلنا عن أشياء غريبة للبيع ، والنساء اللواتي لطالما سمعت عنهن من من قبل ، الشوارع غير المنتظمة والحواجز التي نقفز من خلالها ، الكتب القديمة المرصوصة فوق الأرصفة بأثمان زهيدة إلى درجة لا تصدق ، القهوجي يحمل صينية الشاي بالنعناع فوق يد واحدة وكوب زائد مملوء بالسكر ، وهواء الفجر ..آه من هواء الفجر العبق بشتى الروائح ، لمصر نسمة فجرية لم أذقها قط في أي محل آخر من الدنيا ، ثم النيل ومياهه السوداء وألف لون لون يومض فوق صفحته الليلية ، أشياء صغيرة وأشياء عظيمة أراها .. وأشعر للحظة صغيرة ، لثانية متوقفة من الزمن ، كما لو كان شبح عابر أو طيف مسرع أو نفحة هواء تمر مسرعة .. أشعر بد. رفعت إسماعيل يمر جواري ويحرك الهواء على إثره عباءتي السوداء..ومن جديد ينتابني اشتياق فظيع للعجوز المخرف.