الجماعة .. التشابه .. الاستقرار
1
جلس مع شيخه الذي يكبره بأعوام قليلة، في إحدى الجلسات التي تحلو له تسميتها بجلسات الاستتابة.. حيث يجلس الواحد أمام الآخر.. الأول هو المارق الذي في طريقه لشق عصا الجماعة، والثاني هو الشيخ الحكيم العاقل الذي يحاول إرجاع هذا المارق إلى جادّة الصواب.
يبدأ الحديث – بعد المقدمات التقليدية لمثل هذه الجلسات- بين الطرفين كالمتهم والقاضي.. يطلب منه القاضي أن يتحدث عن القضية من كافة جوانبها.. الأسباب التي دفعت به إلى ارتكاب مثل هذه الجريمة النكراء.. ويعطي المتهم الفرصة للحديث وشرح أبعاد القضية بوضوح.. طبعًا هذا باعتبار أن القاضي كان من النوع العاقل الحكيم.. ثم يبدأ الادعاء بسيل من الاتهامات متمثلة في اللوم والعتاب ونقد التصرفات والأفعال.. وطبعًا لا ننسى التذكير بعواقب مثل الانتكاسة والانضمام إلى معشر العصاة بعد أن كان ضمن جماعة الطائعين.
2
هناك ثقافة سائدة في العديد من الشركات الكبرى عندما يقرر أحد الموظفين مغادرة الشركة.. تقتضي بأن يجلس هذا الموظف مع مسئول الموارد البشرية الخاص بالشركة.. في محاولات منه للاستفسار عن أسباب هذا القرار.. وما إن كانت هناك إمكانية للتراجع عنه في مقابل شروط أخرى.. وإلى آخر الحلول التي قد تثني هذا الموظف عن قرار الرحيل.. طبعًا في حال كان هذا الموظف من النوع الذي لا يمكن الاستغناء عنه..
إذا لم يصل الطرفان إلى اتفاق واضح.. أو كانت الرغبة على الرحيل أقوى من الرغبة في البقاء.. فيحاول الطرفان دراسة مزايا وعيوب التجربة من أجل الاستفادة منها.. في محاولة لعدم تكرار مثل هذه الأخطاء في المستقبل.. يسلم أحدهما على الآخر.. ويرحل صديقنا في صمت.
3
مؤسستنا لا تقف على أحد.. من لم يعجبه وضعنا الحالي فليتفضل بالرحيل غير آسفين عليه.
4
في إحدى جلسات الاستتابة، وأثناء تبادل أطراف الحديث، شعر المتهم أنه لا فائدة من كثرة الحديث.. فالقاضي لن يعطيه فرصة للدفاع عن نفسه فضلًا عن تبرئة ساحته.
أخبره بلهجة مختنقة كمن تقف في حلقه غصة لا يستطيع بلعها.. أخبره بأنهم يدمرون أنفسهم بأنفسهم، ويقتلون روح التجديد في أبنائهم إذ يحاولون صنع نمط واحد ووحيد منهم.. نمط مشايخهم وقادتهم.. توقفوا عن صنع النسخ المكررة الباهتة.. مجموعة من المسوخ يرددون نفس الكلام بنفس العبارات السمجة والمزايدات الرخيصة.. من خالفهم تثار حوله الشبهات.. لا حق إلا معهم.. والباطل لدى من خالفهم.. ولا عزاء للحاقدين.
5
أخبرني صديقي أنه كان يعمل يومًا في إحدى الشركات التي تحاول أن تلحق بركب الشركات متعددة الجنسيات.. فتصنع لنفسها ثقافة واحدة موحدة على الجميع.. بيئة عمل تشجع نوعًا واحدًا فقط من العاملين على الوصول.. نوع العامل المطيع الذي لا يعترض ولا يفكر من نفسه أبدًا..
لكن واقع الأمر كان في غاية السيريالية.. كمن يفتتح محلًا للملابس في منطقة شعبية ويضع عليه لافتة NIKE على حد تعبير أحد الأصدقاء.
المهم أن صديقي هذا كان من النوع المشاكس.. النوع الذي لا يفضله أصحاب العمل الذين يريدون أن تكون لهم اليد العليا في كل شيء.. لا يتوقف عن الإدلاء بآراءه، والذي يعد جريمة كبرى في مثل هذه الثقافات.. مع أنها تشجع الابتكار والإبداع.. أراد يومًا أن يرحل عن الشركة.. فجلس كصديقي الآخر صاحب القصة الثانية.
6
كدر الجماعة خير من صفو الفرد.
7
عندما اتخذ قرار الرحيل جلس مع مديره ليخبره الأخير ببعض النصائح التي قد تنفعه في مستقبله.. إذ أنه لن يستطيع النجاح في حياته إذا كانت هذه طريقته في العمل..
كان من هذه النصائح أنه أخبره بأن عليه أن يحترم ثقافة المكان الذي يعمل فيه.. حيث أنه إذ لم يفعل هذا سيؤثر على زملاء العمل بالسلب.. وقد تنتقل العدوى إليهم.. وتقل إنتاجية الأفراد تبعًا لذلك.. وكما نعلم أن الأشخاص تزول ولكن تبقى المؤسسات!
8
عندما يسير في الطريق ويقابله أحد الرفاق القدماء.. أو دعنا نقول أحد الإخوة.. لم ينضم بعد إلى قافلة الرفاق.. ينظرونه بطرف أعينهم.. كمن يقولون له تاب الله عليك أيها المنتكس العاصي.. لقد رحلت وتركتنا وأنت الآن لا شيء.. أمّا نحن؟ فجماعتنا ستبقى إلى الأبد بعون الله رغم أنف الحاقدين!
9
الذئب يأكل من الغنم القاصية... ولكن لماذا لم نقل بأن الذئب لا يمكن أن يعيش مع الخراف؟
10
"الجماعة .. التشابه .. الاستقرار"
شعار العالم الذي صنعه ألدوس هكسلي في روايته عالم جديد شجاع.. الجماعة هي أهم شيء في هذا العالم.. أفراد هذا العالم لا شأن لهم سوى تحقيق مصلحة هذه الجماعة.. ولن تتحقق هذه المصلحة إلا بتشابه أفراد هذا العالم.. فيتم تسخير العلم لا المعرفة لتحقيق هذا التشابه.. عبارة عن قوالب متكررة، كلٌ مصمم لوظيفته التي من أجلها ولد.. ولد في المختبر بالطبع.. وهذا التشابه هو الذي يحقق استقرار هذه الجماعة الأم.
11
لماذا ينبغي على الفرد أن يذوب ذوبانًا تامًا داخل الجماعة التي ينتمي إليها؟ وإن كان هذا الذوبان التام يقتضي تلاشي شخصية كل فرد من أفراد الجماعة، فهل ستصبح المكونات الجديدة للجماعة شيئًا غير مجموعة من المسوخ السخيفة؟ التي تتحرك كل منها حركات متاشبهة، ويقوم كل منها بوظيفة محددة واضحة، يمكن لغيره أن يقوم بها.
هل يمكن أن يخرج شيئًا من الفن أو الإبداع أو الجمال من مثل هذه المسوخ؟
هل يمكن أن تنتج مثل هذه الجماعات معرفة حقيقية؟ أم أن نتاجها الفكري سيكون عبارة عن مجموعة من الأدلة الإرشادية ونصائح مختلفة تريد أن تصل بك إلى الفرد الصالح حسب تصور هذه الجماعة؟
12
"أنت ترس صغير في وسط مكنة كبير.. هتفكر تعصلج؟ المكنة هتفرمك" لقائله.
