كنت طفلًا

كأي طفل، يحب اللعب ويحب العراك، طفلًا كأي طفل يرغب الممنوع ولا يفعل الواجب، طفلًا يحب أمه بشدة ويخاف أباه، ويكره أخوته..

كنت طفلًا حتى أول يوم خرجت فيه إلى المدرسة ممسكًا يد أبي، مستمعا له يخبرني عن الطريق، كيف أعبره ومن أين ألتف، كنت ولكن غير الأطفال، لم أبكى في أول يوم لي، بينما الكل كان يبكي بأعلى صوته، حتى وإن وجدت طفلًا غيري لا يبكي أجده قد بدأ بالبكاء، مضى الوقت في ذلك اليوم الأول حتى نهايته وأنا صامد وسط هذه الدراما، إلى أن حان موعد الانصراف، حملت حقيبتي وركضت مع الجميع نحو بوابة الخروج، وألتفت بعد البوابة يميننًا كما أخبرني أبي، وبعد أن تجاوزت اليمين الأول كان اليمين الثاني يبدو من بعيد ، ولكنه لا يبدو حقيقة ، ما كان يبدو أمامي هو مجرد حائط من الطوب المصفوف، شكله جديد، نعم لقد تم بناء حائط في منتصف طريق العودة خلال النهار ولن أستطيع رؤية أمي مرة أخرى أبدًا !!، أخيرًا هنا بكيت، نعم لقد بكيت، كطفل ظل الطريق، كأي طفل، ككل طفل، حتى رآني أحد الآباء وأنا بوسط الشارع مجهشًا بالبكاء أصيح بأمي، أخذ بيدي وسألني عن أسمي وعرف والدي وأعادني إلى المنزل..

سيرًا ع الأقدام، أذهب إلى المدرسة كل يوم، بمصروف قدره ريال فقط، لم يكن أبي ليعطيني ٦ ريال كآباء أقراني، "ريال لكل حصة في اليوم"، ريال واحد فقط هو كل ما أملك صبيحة كل يوم، مع شطيرة جبن، حتى المرحلة المتوسطة، هنا بدأت أخجل من الشطيرة وصرت أذهب بريال واحد، دون المعتاد، أول تغير اقتصادي في حياتي، تعلمت حينها كيفية توفير بضع ريالات لأحتفل بها نهاية الأسبوع مع أصدقائي..

يأتي العصر وفيه تعلمت القرآن تحت وطأة العصا، والتي لن أسامحها أبدًا ما حييت، وتحت وطأة أبي، والذي لا أعرف لما يراني دائمًا أنني على خطأ، مهما أقسمت له ومهما كذب ذلك المدرس الفاجر أمامه، تعلمت القرآن كما الدراسة، تحت وطأة قانون "لكم اللحم ولنا العظم" ولذلك لازت نحيل من أثر ذلك حتى اليوم، كنت في صغري أمتاز بالذكاء، وسرعة البديهة، في دراستي الابتدائية كنت من العشرة الأوائل في كل سنواتها رغم أني لم أجتهد في إحداها أبدًا، لم يكن أبواي مثل أباء الأخرين، يشرفون على دراستي، تعلمت الاعتماد على صغري منذ نعومة أظافري، دور أبي في دراستي كان مجرد فعلين، يرى تقاريري وشهادتي ليوقع عليها، والفعل الثاني كان تمريره بداية كل ترم دراسي العبارة الآنفة الذكر، "لكم اللحم ولنا العظم" ولازلت نحيل..

نعم أبي ليس أفضل أب في الوجود، لكنه أبي، أمي من جهة أخرى هي الأفضل، لم أعهدها أبدًا أن ضربتي، ولو مزحًا، أمي، والتي لا أذكرها في صغري سوى وقت الظهيرة، حين إعداد الغداء لنا عند عودتنا من المدرسة، بجوارها كانت خالتي (زوجة أبي) تشاركها الأمومة أيضًا، كنا عائلة صغيرة وكبيرة في ذات الوقت، أملك من الأخوة ١١ أخ، أو بالأحرى، أملك ١٢ولي أمر، عشت تحت سطوتهم، تحت سطوة اللامنطق واللامعقول، وتحت أزمة هوية بين كوني طفل يريد أن يكون طفل، وبين كوني ذكر لذلك يجب عليه أن يكون رجلًا، ذات رأيت مرة لعبة في بقالة الحي لمجموعة من الحيوانات، وددت امتلاكها بشدة، جمعت مصروفي وانتظرت بفارغ الصبر لأحصل عليها، حتى حصلت عليها ومعها تعرضت للعقاب لأنني أضعت مالي في لعبة هي للأطفال، حقًا وما أنا ؟!


لازلت طفل

لازلت أذهب إلى الجامعة سيرًا على الأقدام، ليس لدي سيارة، لا أعرف القيادة لأنني أخاف الطريق، التفت كلما عبرته يمنة ويسره كما تعلمت في المدرسة، أشاهد الكرتون، وأتعارك مع الصغار دائمًا، أقفز حين لا أحد ينظر إلي، أصرخ حين لا أحد بقربي، وأصرخ إن كان أحد بقربي مثل قطة..

طفل لديه حلم، لا يمكن لأقصى عتاهية الكون أن يمنعه من تحقيقه، يخبئه لحين، طفلًا يبدو كرجل، طفلًا يرتدي شكل الرجال لينجو من عالم متعسف، يكره الاختلاف، يكره من يريده مثله، إن اختلف فيه شيء عنه فالويل له، كلما ضن أنه يعرف نفسه عرف شيئًا لا يعرفه عن نفسه أبدًا، لديه شمس وقمر، لديه مجرة كاملة داخل قلبه، لا يهتم لأحد يخبره بأنه لا يستطيع الإشراق، قسوة أبيه لم تصل لقلبه، الفضول والخيال، عيوبه التي كان يخشاها لم تعد عيوب، إحساسه المفرط العيب الأكثر إيلاما له في صغره، أصبح عضده القوى في هذه الحياة، أختار ألا يكون عاديًا لأن ذلك ممل..

تجاوزت كل ذلك لأنني كنت أسكن قلبي، لا هذا المنزل لا هذا الأب ولا هؤلاء الأخوة، أن تعرف كيف تسكن قلبك في مثل هذا العمر هو معجزة، أن تدرك المشاعر وأن تسيطر وألا تسيطر في هكذا كنت أعيش، في هكذا كبرت، لذلك كنت أو لازلت ما عدت أهتم، لا أرى في هذا الظاهر شيء يستحق اهتمامي، سوى واحدة واثنان..