رحلت أختي وكتبت ما أردت دون تردد، اليوم ثلاث أخوة عزموا الرحيل، هل يجب أن أكتب عن ذلك شيء ما أم لا، أنا لا أعلم، ليس هناك ما يدفعني لذلك، حسنًا هنا ورقة وقلم، أممم يا ترى من أين أبدأ؟ من أين .. من أنا .. ما هم ...

أنا

مهشم، ضائع، مثل أطلال بيت طيني في قرية مهجورة، ومهجور من كان يحوي هذا البيت، لون بابه أخضر عتيق، أضمحل مع الزمن، بجانبه تشاركه الوحدة نافذه مخلوعة ينفذ منها شيء من أشعة الشمس إلى الداخل، ينفذ منها ليس مثل الباب يصدها، هذا الفعل هو موضوع حوارهما دائمًا، يقول الباب للنافذة بأن عليها أن لا تسمح لأشعة الشمس بالمرور إلى الداخل، يخبرها بأن عليها أن تصدها، أن تحمي الداخل، هي نافذة، هي لا تريد ذلك، تحب الشمس، تحب دفئها الذي تمنحه لها حين مرورها، لا تحب العراك معها كل صباح، هي ترى نتيجة ذلك، تراه في الباب، كيف ذهب لونه، وكيف صدأ معدنه، وتراه يستشيط غضبًا منها كل يوم، هو يقول وهي ترى، هي ترى وهو يغضب، هي وهو هذا حالهما كل يوم، وفي الداخل هناك ستارة وسجاد وكرس عتيق، وبضع لوحات زيتية مهتراه تحاول أن تزين الحائط، تحاول لأنها قبيحة قبل أن تكون مهتراه، ورثها صاحب الدار عن جده، الستارة المبعوثة من قبل الباب مهمتها حماية المنزل من المتمردة، النافذة، يعلم الباب أنها كانت تختلس لتدع الشمس تنفذ منها حين ينشغل هو بالعراك معها، تفعل ذلك لأنها تحب أن ترى الشمس تنير المكان، أن تسطع بأشعتها على الحائط فتخفي تلك اللوحات القبيحة الماثلة أمامها دائمًا، وتحب أنسام الصباح، تأتي لتجدد رائحة المكان العتيقة، للباب حق في ذلك، فهو مكلف بحماية المنزل، وللسماح بالعبور لمن له حق المرور فقط، هذا هدفه في الوجود، ليس لديه وقت للعبث، فقط إما يكون مفتوحًا أو مغلقًا، ليس لديه ما يتحرى دفء شمس أو نسمه هواء، هو فقط ما صنع لأجله، ولا نهاية لهذا، أبديُ ما يحدث بينهما، وسط هذه الضوضاء هناك مدفأة عتيقة، تشعل مرتان في السنة لتدفئ المكان، وليتسامر حولها الجميع حتى الصباح، ثم تطفى وتتركهم في قسوة، الباب لا يهتم إن كان الجو دافئا أم لا لذلك تعانده النافذة..

هم

حين أصحو يظهر وأني على منزلق طريق طويلة تبدو نهايتها مدينة، هي مدينتي، يقترب مؤشر الساعة من بلوغ منتصف الليل، القمر مختبئ، والنجوم حولنا شاخصة، وأنوار حولنا تسبقنا مسرعة، كل شيء يدنو من شيء، وأشياء أخرى واقفة لا تريد أن تدنو، وأنا لا أريد الوصول، لا أريد أن ينتهي بي الطريق، أتمنى لو اغدو مسافرا هكذا، هائما إلى لا نهاية، الطريق بذلك يصبح وطني، لا أهتم بعده لمن عاد وغادر، أو لمنزل ضائع يحتل السؤال عنه حلمي، السؤال عن بابه وعن نافذته وعما هشم منه، في الطريق لا حاجة هناك لأعلن إرادتي، أو أن أكون ضمن صراع غير معلن، أن أغدو فيه ما أريد، و ما أريد وما يريدون ديدن حياتي معهم هؤلاء الهؤلاء، الغثاء الذي يحاصرني من كل جانب، وجودنا تحكيه هذه الأطلال، هذه النافذة أنا، وهذا الباب هو، وتلك اللوحات والكرسي تاريخنا العتيق، أدوارنا في بيتنا متقلبه، لنا في كل منها جزء منا، مبعثرون، لا أجد لأخي معنىً واحدًا، لا معنى له أن يرحل، لأنه لن يرحل، يقيننا أعلم ذلك، أعلم أنني حين أصل للمنزل سأجده، هنا وهناك وهناك، في كل مكان، ليس مثل أختي، حين غادرت كان ذلك الغياب واضحا في بيت هو بالعادة مكتظ، فنحن الذكور لا يملكنا مكان واحد، نحن في كل شيء، وعلى كل شيء..

معنى أن يرحل أخ لا معنى له، لا أعني كـ معنى أن ترحل أخت، إنما أعني معنى أن يُعنى ما لا يُعنى، من هو في القاموس ليس له خانة، من هو حكاية نتوارثها منذ زمان، منذ كان وكان، كان يذكر أن لي أخ وأخ وثالث ورابع وخامس حتى لا يبقى للواحد معنى، في الرخاء نحن واحد، وفي الشدة لا يوجد هناك "نحن"، سوى في بعض القلوب ولكنها مختبئة، مشغولة بـ "أنا"، منزل بابه لا يهتم إن كان الجو دافئا أم لا، ونافذه عنيدة، ومدفأة خامره، وكرسي لا حول له، في ذلك أكون وإخوتي..


وداعًا..