شاء رب القدر ذات مرة، أن يطرق باب منزلنا طارق، وشاء رب القدر بعد ذلك، أن يصبح ذلك الطارق خطيبًا لأختي اللدود!، وشاءت الأقدار بعد ذلك بلا تمهل، شاءت تتوال بالمناسبات تتلو بعضها احتفاءً بهذه الزيجة، حتى اكتملت ورحلت بعدها أختي ترتدي الأبيض عن منزلنا ذات مساء..


بات منزلنا تلك الليلة خاوي الروح، فضاء لا سعة فيه، موحش، أتنقل بين جنابته كزائرٍ في متحف، أشاهد هذا الركن وهذا الركن، كل زاوية حكاية، وكل تفاصيل بسيطة تذكرني برواية طويلة من ذكريات أختي، حيطانه صامته، لا حزينة ولا سعيدة، لا شيء يذكر، صمت صاخب، قطع ذلك الصمت عتبة باب غرفتها، هممت أفتحه فترددت، تملكني شعور لم أعتده، لم أكن أريد أن تكتمل حقيقة أن أختي فعلًا قد رحلت، لوهلة شعرت بأنني سأراها خلف الباب، بجانب السرير، أو أمام المرآة، وبأنني سأعود لمشاكستها حتى تطردني، أو ربما أكون لها ضيفًا ثقيلًا كعادتي، لا أرحل في الموعد الذي يجب به أن أرحل، لا أعلم لما أعتدت ذلك، لا أملك تفسيرًا سوى أن للمكان سحر يجعلني لا أرحل، كثيرًا ما نزلت من غرفتي في الأعلى لأتفقد من بالأسفل، وأجدني قد أطلت المكوث حتى فقدت من بالأعلى، أكاد أجزم أن بها سحر..


طق طق، طرقت الباب، هه أعلم أن منظري وقتها كان أبلهًا يطرق غرفةً خاوية، وددت مسايرة الشعور فقط لا أكثر، تأملت أن أراها ولو خيالًا، اختلقته عيناي تماهيًا مع هذا الشعور، تماهيًا قد يجلب لي صورة أختي وهمًا، أفتقدها حقًا منذ أن رحلت، أفتقد صورتها في مخيلتي، وكأنها محيت، ذلك لأنني لم أجتهد في حفظ صورتها في ذاكرتي أثناء تواجدها معنا، لم أكن أتخيل أنها سترحل بعيدًا، لم أكن أتخيل أنه سيتوجب علينا يومًا أن نعيش بدونها، اعتقدت أنها أختي، وأنه لزامًا علينا أن نبقى مع بعضنا "عائلة" هكذا، إلى الأبد، فتحت الباب قطعًا لأفكاري، واستباقًا لأنني لن أسمع منها إذنًا بالدخول، واستباقًا لأن لا أتفاجأ، لأن لا أعود لواقعي، هه جزء من عقلي لازال واعيًا، والأدهى أنه يسايرني، لا يريد أن يقتل خيالي، و ليته ما فعل، قتلت شعوري غصة بعد أن فتحت الباب ودخلت، لا أستطيع وصف ما رأيت، وحقيقة ما خالف شعوري وظهر، والحقيقة دومًا مرة، رأيت ما لا يرى، رأيت الفراغ، أتنقل بنظري هنا وهناك ولا أرى سوى فراغات بعضها فوق بعض، لا أستطيع شرح معنى أن ترى الفراغ، والشعور الذي يخلفه، الغرفة ليست الغرفة التي عهدتها، والفراغ هذا حديثٌ لا أعرفه من قبل، اتجهت إلى المرآة، والتي كانت سببي المعتاد لدخول غرفتها، لأنها طويلة تظهر البدن كاملًا وتحت إضاءة مناسبة، سببٌ أحمق، أعلم ذلك، رغم أنه لدي مثلها في غرفتي، ولكنها العادة، أعتدت النزول إليها، لأريها جديد ما اقتنيت، ولأسمع رأيها فيه، كانت لطيفة، لم تنتقد يومًا شيئًا مما اقتنيت، قد يبدو أنها كانت تجاملني كثيرًا أو ربما كانت تريدني أن أرحل بسرعة، ولكن لنقل أنني كنت ذو ذوق حسن..


لم أمكث طويلًا في الغرفة، رحلت سريعًا بعد أن سحبت كومة من المناديل لأوقف دموعي، رحلت أختي، رحل المعنى، رحل السحر، ورحل ما كان لا يدعني أرحل، معنى أن ترحل أخت لا معنى له، أعني لا معنى له يمكن إدراكه، وعيه حتى وصفة، على استحياء أحاول التشفي بالكتابة، ولكن لا شفاء، أرتجي الوقت فقط، عله يطوي هذا الفراغ.. لم يبقى في البيت شيء معتاد، كل شيءٍ تغير، ليس كالمعتاد، رحلت العادة معها، بدأت أصنع عادتي من جديد، أحاول ملء الفراغ الذي أوجدته، بدأت أتقبل، وبدأت أتخلى عن المرور بغرفة أختي، ولكنني مجبرًا سأعود، لدي أخت أخرى هيَ الأخرى، يتيمة، ليس لها من الإناث شقيقة، تشاطرها الأنوثة أمي فقط، تدعى "سلمى"، تعرفت عليها قبل أيام، كانت أختي الأكبر "هدى" تحتل جزءً أكثر منها في يومي..


وداعًا هدى، وأهلًا سلمى..