كان قلبي يهيم على جنحان السعادة وكانت روحي تتنفس رحيق أبي، أتعلم ! رغم إتساع ذلك البستان إلا أن أبي دائماً يفضل الجلوس تحت ظلال شجرة الكستناء بعكس أمي التي تحب أن تحيك ملبوساتنا على طرف البئر ويكمن السر خلف تلك الشجرة هي سقوطه من عليها عندما كان طفلاً يقول أبي أن جدي كان يحرث الأرض حينها ويطلب منه مساعدته في ذلك إلا أن أبي يصرخ من فوق الشجرة رفضه الشديد فحاول معه جدي مراراً حتى تقطعت به الحيل وعندما غربت الشمس قرر أبي النزول من عليها فأنزلقت قدمه وتعلّق قميصه على أحد أغصان الشجرة "تُكمل مبتسمة" لقد ضلّ أبي معلقاً حتى غربت الشمس وجدي ينظر له ضاحكاً رافضاً إنزاله وعندما حلّ الليل وبخت جدتي جدي وهرعت لتساعد إبنها المعلّق وعندما كنت صغيرة كنت كل صباح أغني فوق أغصان نفس الشجرة، أتذكر عندما أنهت أمي حياكة فستاني هذا الذي تراه إستيقظت ذلك اليوم لأجده أمامي على الشجرة ينتظر أن يرتديه جسدي لقد كان جميلاً حينما أرتديته.

مضت بنا الأيام يابني في بستان الحبور نقطن وتحت ظلال الكستناء نُغني وبجوار البئر برفقة أمي نرقص حتى إستيقظتُ يوماً أمسح كعادتي قطرات الندى من على شرفتي حتى أستطيع رؤية أمي وأبي والغزلان والبستان لأبتسم وأتهيأ لمشاركتهم ولكن المصادفة أنني لم أرى بستاناً ولم أجد أمي وأبي لا أعلم أين هو جُلّ مارأيته أدخنة تتصاعد من حولي وشمسٌ تخترق هذه الأدخنة متوجهةً نحوي والغزلان مضطربة، نزلت مسرعة لأنادي أمي وأبي وقفت على حافة منزلنا وأنادي مرةً أخرى ولكن لا مجيب الأدخنة تملئ المكان مالذي حدث ! هرولتُ لأشق طريقي بين كل هذه العتمة ذهبت نحو الشجرة لم أجد أبي توجهت لأبحث في أنحاء بستاننا ولم أجد أحداً بدأت نبضات قلبي تتسارع وخطواتي تتثاقل أحاول أن لا أجعل للخوف مكاناً وأطمئن نفسي بأن كل شيء بخير توجهت مسرعةً نحو كوخنا لأبحث في سردابه وحجراته ولكن دون جدوى ! إزددت ذعراً بدأت أرتجف خوفاً إختنق عنقي أحاول أن أدحرج الكلمات علّ أمي في جوار البئر تسمعني ! توجهت نحو البئر على أمل أن أجد أمي بجواره تخيطُ شيئاً ولكن عقلي يُردد ليس هذه المرة وقلبي يُطمئن عقلي : لا عليك ستكون بالجوار، وما إن إقتربت منه حتى أرى الأدخنة تزدادُ حول جنبات البئر !!