ربما اتفق السلفيون والاشاعرة من حيث المبدأ على أن النقل أولًا وأن العقل ليس سوى (خادم) للنقل وليس حاكمًا على النقل إلا أن السلفيين – بخلاف الاشاعرة - ترسخت لدى معظمهم نزعة نقلية تراثية أثرية عميقة ضد العقل، تنفر منه أشد النفور إلى درجة أن كلمة (عقلاني) باتت عندهم مسبة قادحة في صحة الالتزام الديني للمرء!!.. وربما هذا الأمر حدث بسبب الملابسات التاريخية التي جرت بين أهل الحديث بقيادة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والمعتزلة الذين ناصرهم الخليفة الأموي (المأمون بن هارون الرشيد) رحمهما الله فيما يتعلق بما عُرف بفتنة (خلق القرآن) (هل القرآن مخلوق أم لا؟) التي استنسخها المعتزلة من اللاهوت المسيحي: (هل المسيح مخلوق أم لا!؟)..... لكن – وبعيدًا عن كل ذلك الجدل الفلسفي الذي شجر بينهم، ففي تقديري أن العقل حاكم وخادم للنقل في الوقت ذاته!... وقد يحسب البعض أن في هذا الموقف تناقضًا!.

والحقيقة لا يوجد تناقض إنما هو اقرار  لدور العقل المزدوج مع الشريعة أي مع المنقول إلينا من الكتاب والسنة... فالعقل يتعامل مع الشريعة (المنقولة) كحاكم وخادم في الوقت ذاته، تمامًا كما هو حال حاكم الأمة وقائد الدولة، فهو مع كونه حاكمًا للشعب هو خادم أيضًا لهذا الشعب!، ولو اكتفى بدور الحاكم فقط دون الخادم، فإنه يكون قد أخل بوظيفته وخان أمانته!.. إذ أن الغرض الحقيقي من كونه حاكمًا للأمة هو أنه خادمٌ لها.. فالحُكم هنا خدمة عامة يتضمن مفهوم الحفظ والضبط والرعاية والتنظيم والعدل والادارة .... كذلك الحال بالنسبة لوظيفة العقل مع النقل، فهو خادم له حتى وإن كان أحيانًا يتصرف كحاكم له وعليه، فهو يحكمه ليخدمه أي ليضبطه وينظمه ويفقهه ويفهمه ويطبقه على الواقع بما يحقق مقاصد الشريعة المنقولة إلينا من خلال القرآن والأحاديث النبوية!.

فالعقل (المسلم) - إذن - خادم وحاكم للنقل .... فضبط وحفظ القرآن الكريم باعتباره النص المنقول الأول والأساسي إلينا من (الله) الخالق عن  طريق الرسول الملائكي وأمين الوحي (جبريل) عن النبي (محمد) عن (الصحابة) الذين تم في عهدهم وبشكل مُبكر عن طريق لجنة من أحفظهم وأعرفهم بالقرآن من الصحابة القُرَّاء(*)، الحفّاظ، الضبّاط، النّقّاد، العلماء، الحكماء الذين اختارهم الخليفة (عثمان) لجمع ما اتفق على صحته ونسبته للنبي جمهور الحفاظ والقرّاء من الصحابة من سور القرآن في المصحف الشريف ليكون محفوظًا بين دفتي كتاب ... وطرح كل ما هو شاذ وغريب مما قد علق لدى بعض القُرَّاء بطريق الغلط والسهو وما خالف الثقاة من جمهور الحفّاظ، وهكذا فإن طريقة جمع سور القرآن في مصحف وطرح ما كان غريبًا وشاذًا تم بطريقة العقلاء، أي عن طريق العقل، فالحفظ والضبط والفهم والنقد والتمييز والترجيح والعلم والحُكم والفهم كلها وظائف ذهنية عقلية يتميّز فيها بعض البشر عن البعض الآخر من حيث درجات الحفظ والعلم والفهم والحُكم على الأمور، أي أن بعضهم أعلى درجات من بعض في هذه المواهب العقلية الذهنية.

وهكذا فإن العقل كان يقوم بوظيفة الحاكم الضابط المميز سواء في جمْع وحِفظ وضبط القرآن وطرح الغريب والشاذ مما علق في أذهان بعض القرّاء سهوًا والذي ثبت شذوذه من خلال مقارنته مع مما في حافظة جمهور القرّاء والحفّاظ الثِقاة من الصحابة والمخضرمين فثبت لهم بأنه ليس من القرآن... وهكذا وعلى نفس منوال لجنة الخليفة عثمان لجمع وفرز القرآن وحفظه تم جمَع وضبط وحفظ السنة - بعد زمن الصحابة - فالعقل في كل هذه العمليات البحثية كان يقوم بوظيفة (الحاكم).. أي الحاكم الذي يحكم على النص بالصحة أو بالسقم، أو بالقوة أو بالضعف أو بتأرجحه بين القوة والضعف مما أطلق عليه بعضهم (الحديث الحسن)!!.... وليست وظيفة العقل المسلم هنا هي وظيفة (الحاكم) وحسب فيما يتعلق بحفظ النص وضبطه ونقده من حيث صحة الاسناد لله كما في نص القرآن أو من حيث صحة الاسناد للنبي كما في نص السنة... بل هو بعد هذا يتولى أمر مسألة ووظيفة (الفقه والفهم).. أي فقه وفهم مراد ومقصود ومطلوب النص ودلالته!.... وهكذا فإن العقل المسلم هو المكلف بالتثبت من صحة النقل وحفظه ثم بذل الوسع لفقه وفهم هذا النص... وهو بتوليه وظيفة وسلطة الحكم على النص من حيث الصحة والاسناد أولًا ثم بتولي وظيفة وسلطة الفقه والفهم ثانيًا لمعرفة دلالات ومقاصد ومضامين هذا النص يكون هذا العقل المسلم في حقيقة الحال في مقام العامل الخادم للنص الديني.. أي الخادم للشريعة ... تمامًا كما أن القائد والحاكم في الاسلام المستخلف على الأمر العام للمسلمين - بل وحتى في النظم الديموقراطية الحديثة الراشدة - هو – في حقيقة الأمر – عبارة عن موظف عمومي وخادم للأمة وعامل على تحقيق وضبط وحفظ مصالحها العامة ودرأ المفاسد عنها، إذ أن وظيفة الحُكم هنا ليست سوى وظيفة من وظائفه الأساسية كخادم للأمة.... وهكذا شأن العقل مع النقل فهو خادم له، يحفظه ويحميه ويغربله ويصفيه، ومن كل الشوائب ينقيه، فحتى عندما يمارس وظيفته كحاكم وحافظ وضابط وناقد وفاهم لهذا النقل ومفسر له إنما يضبطه ويحكمه ويفهمه لكي يخدمه!.. أي أن حُكم العقل للنقل هنا هدفه هو ضمان حُسن الضبط والتحقيق للتأكد من صحة وقوة اسناده فعلًا للمصدر الأساسي، أي الله ورسوله أولًا، ثم ضمان حُسن الفقه و الفهم والتدقيق ثانيًا لمعرفة مراد  وقصد الشارع منه وبه على وجه التحقيق العقلي، ثم ثالثًا ضمان حُسن الإنزال والتطبيق العملي لضمان تحقق مقاصده المُرادة منه في واقع الحال.... وهكذا في كل هذه الأحوال وكل هذه الوظائف الذهنية والعقلية التي يمارسها العقل في دراسة وبحث النقل إنما هو خادم للنص أي للنقل حتى عند ممارسته دور الحاكم على صحة الاسناد، حين يحكم بأن هذا النص ضعيف أو قوي أو بين بين، أو يحكم بأنه صحيح أو معلول، أو يحكم بأنه غريب أو به علة وشذوذ .... إلخ ... فهو حاكم خادم للنص... وكذلك فيما يتعلق بممارسة العقل دوره كحاكم ومصنف على أنواع الدلالات في النصوص، فيحكم على هذا النص بأنه عام ومطلق وذاك خاص ومقيد أو يحكم بأنه ناسخ أو منسوخ...إلخ .. فكل هذه الأحكام (التصحيح والتضعيف والتحسين) و(التعميم والتخصيص والاطلاق والتقييد والنسخ) هي أحكام بشرية عقلية تقوم على قواعد منطقية ومناهج علمية منضبطة وضعها العقل لنفسه كي لا يزيغ ولا يضل وبالتالي فهي ليست وحيًا يُوحى قطعًا، فلا الله أنزلها في القرآن ولا النبي أمر بها فيما نقله السلف عنه إلينا.. ولكن بلا شك أن الله ورسوله أمرانا – في صورة تعاليم وتوجيهات - بالمبادئ العامة التي تقوم عليها هذه العلوم والمناهج العقلية الضابطة للنص حُكمًا وفهمًا وتطبيقًا مثل حثهم على التحري والتثبت وعدم التسرع في الحكم بل ورد الأمور الغامضة والملتبسة من شؤون الدين والدنيا والسياسة إلى أولي الأمر من أهل الاختصاص (العلم) وأهل الاستنباط (الفهم والاستنتاج العقلي)، ومنها الحث على العدل في الظن والقول والعمل وعدم اتباع الهوى، ومنها الحث على التعقل والتدبر، ومنها الحث على أداء الأمانات والشهادات على وجهها الصحيح.... وغير ذلك من الوصايا التي تعزز القوة الذهنية العقلية (العلمية والفهمية والحُكمية) للمسلم وتبنيها على أساس أخلاقي متين قوامه الأمانة وحب الحق والحقيقة والعدل والانصاف..... وهذا يبين عظمة وخطورة دور العقل (المسلم) - أي دور الوعي - في التعامل مع (النقل) - أي مع الوحي وتصرفات النبي والصحابة .... فهو دور أساسي ومهم وحيوي بل وضروري ... لكن، لكي يؤدي هذا (العقل) دوره المنشود في خدمة الشريعة، لابد أن يكون عقلًا مسلمًا ليس عقلًا كافرًا أو ملحدًا أو حتى علمانيًا أو يكون عقلًا غير مسلم .. والعقل المسلم هو عقل يقوم على أساس الإيمان أي إيمان القلب بشكل راسخ بعقائد الاسلام، والرضى بالله ربًا وبالنبي رسولًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا، فهذه هي القاعدة الأساسية التي يقوم عليها (العقل المسلم) سواء في فهمه للدين أو فهمه للدنيا ... وهذا هو الطريق.. طريق البعث العقلي والأخلاقي للأمة الذي هو أساس النهوض الحضاري والاقتصادي والسياسي.

***********************

سليم نصر الرقعي

(*) القرّاء هي صفة من كانوا يحفظون القرآن عن ظهر قلب في عهد النبي والصحابة وكان عددهم ضخم جدًا