بقلم: علي طه النوباني


في البلاد المتقدمة تعمل الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية على دمج المعاقين في المجتمع، والبحث لهم عن أدوار تناسب ظروفهم واحتياجاتهم؛ لكي يتمكنوا من العيش الكريم، أما البلاد المصابة بإعاقات متعددة فأنظمتها تتفاعل بشدَّة لتحويل غير المعاقين إلى معاقين جسدياً أو ذهنياً!

Image title

لقد أدركت المجتمعات المتقدمة أنَّ أيَّ شخص معرض لأن يصبح معاقا في أية لحظة بفعل حادث سير أو مرض طارئ أو غير ذلك، ومن باب التأمين ضد الإعاقة؛ تكفلت هذه المجتمعات بتأمين حياة كريمة لذوي الإعاقة، وبتوفير تسهيلات تيسيرية لهم تتقدم دائماً وتتطور بفعل ماكينة النشاط الرأسمالي التنافسي للاختراع والإبداع، فكل من يخترع طريقة تسهل حياة المعاقين يبيعها ويحقق ربحاً، وتقدمها تلك الدول من باب الواجب لا من باب العطف والإحسان، بل وتوفر لها القوانين والأنظمة التي تنظمها وتحميها. وبالمقابل فقد ظهر لديهم علماء من ذوي الإعاقة ساهموا مساهمات كبيرة في تنمية مجتمعاتهم وتقدمها أمثال: هيلين كيلر، لويس براين، ستيفن هوكنج، ماركوني، والقائمة تطول، بل وصل روزفلت إلى حكم الولايات المتحدة وهو مصاب بشلل الأطفال.

أما في البلدان التي تعاني من إعاقات مزمنة في أنظمتها وفي نخبها السياسية؛ فتتحول نسب هائلة من السكان إلى معاقين بفعل نسب البطالة المرتفعة والأنظمة الغبية المتعجرفة التي تتسم بالأحادية والشمولية والفساد المستحكم، ومنح الأولوية دائماً لمعايير الولاء والجاه والنسب على الإبداع والذكاء والعلم.

وهكذا يصبح الحديث عن أوضاع المعاقين في البلاد المعاقة عبثاً، لأنَّ آلة الدولة كلها تعمل بشكل متضامن لتحويل الناس إلى معاقين: البطالة المرتفعة تستدعي انتشاراً واسعاً للمخدرات مهما حاولت أجهزة القمع مواجهتها، والبيروقراطية الحكومية المقرفة وقوانين الجباية تعيق الإبداع التجاري والصناعي والزراعي، وأنظمة التعليم الفاشلة تعيد انتاج التخلف لتأتي بأجيال من الخطرين على الحضارة والحياة، كما أنّ الفساد المستشري يشيع الإحباط واليأس ويعطل العقل والتفكير.

قد يتهمني البعض بالسوداوية والتشاؤم، وإنني أتوجه بالسؤال لكم: أين ذهب أولئك الأطفال المبدعون الذين عايشناهم في المدارس؟ هل أصيبوا بمتلازمة الغباء عندما كبروا؟ ألم يكن بينهم الفنان والعالم والمخترع والتاجر حتى ارتطموا بأنظمة غبية تبذل جهودا جبارة لتحول شعوبها إلى معاقين عاجزين عن الفعل.

لقد آن الأوان لمراجعة كل شيء، لعلنا نعرف لماذا نحن المستهلك الأول لأتفه منتجات الشعوب الأخرى؟ ما الذي يصيب أجيالنا من أصناف الخبل لكي لا ننتج مثل الآخرين؟ ما الذي يجعل مواطننا متحسسا خائفا كمن يمشي في حقل من الألغام؟ وما هي مصلحة النخب الحاكمة في صناعة هذا الكم الهائل من الإعاقات؟

بعد نضال طويل، قام رئيس البلدية بتخصيص موقفين في السوق للمعاقين حركياً لكي يتمكنوا من قضاء حاجاتهم، ومنذ ذلك اليوم وكلما احتجت لاستعمال هذه المواقف أجد شخصا غير معاق حركياً يوقف سيارته في الموقف. وإنني ومنذ هذه اللحظة أعدكم بعدم الحديث عن حقوق المعاقين حتى تتوقف بلادنا عن صناعة الإعاقة بكل أنواعها لأنه لا يمكنني فرز فئة محددة بهذا الاسم.