منذ سنوات، والكتابة لم تعد تغري بوصفها موئلاً من المشاعر المنهكة ..

أرواحنا تحترق، والحرف بات يتوارى عن لعب دور المدخنة، فأصبحنا نحترق.. ونختنق.

موخراً .. أصبح لي تكتيك مختلف كل ماعاثت في قلبي مشاعر الحنين، والغضب، والقهر، والعجز .. خصوصاً هذه الأخيرة!

أدير محرك السيارة، أذهب إلى الصحراء ليلاً، ألبث مستلقياً لساعات شاخص النظر في السماء، ويداي تعملان بلا كلل في تعبئة جوفهما من الرمل ثم تسريبه من بين الأصابع.

حين أستلقي على الرمال ليلاً ، وأمامي نجوم ليست كابية الضوء كالتي في المدينة :

يذهب الغبش الذي على روحي .. فأبصر حقائق الأحداث كماهي، بضآلتها .                                                     

تورق في قلبي نبتة يقين جديدة، وأعود للمدينة بغير القلب الذي جئت به.

في ليل الصحراء، لاتمد إليك النجوم حبالها لتصعد .. فالسماء باتت قريبة منك للغاية ..

تكتفي النجوم بإدامة الوميض، فيتفاوت ضياءها المبسوط على الرمال الصفراء، وتبدو تضاريس الصحراء من حولك بهذه الانعكاسات كلوحة فنية من ريشة المبهر ايفان ايفازوفسكي .

والرمال العطشى لأي غراس - ولو كان آدمياً - :

يكفي أن تضحك مرة، وستجد ريقها قد تبلل .. اضحك مرة أخرى وستجدها قد أعادت لك الضحكات ألفاً من الصدى.

في آخر رحلة للصحراء، كان معي صديقي جاسم.. اعتاد أن يزورني حين يأتي من الكويت، وجاسم ندي الروح، من الرفاق الذين لاتخشى أن يولد من ارتفاع الكلفة بينك وبينهم: الإزدراء الخفي.

وبيننا مشاكلة تقترب من التطابق، في الاهتمامات والميول.. ومؤخراً اكتشفنا أن معجم الشتائم يتشابه أيضاً، كان هذا بعد وصف أطلقناه سوياً بعد فراغنا من الحديث عن ابن حاكم خليجي ما .

أحب جاسم كثيراً، وأحب تقبله لمزاجي الحاد السيء، علم جاسم ذلك اليوم بعزمي على ممارسة طقوسي البرية، فقام بإهداء نفسه دعوة لمصاحبتي، لم أمانع .. فقد كنت ضليعاً بمزاجه أيضاً، وأعلم أن في "فمه ماء" يجعل من التسونامي الاخير فقاعة صابون.

هناك، استلقينا على أحد التلال الرملية، كنت ألوذ بالصمت، ليبدأ هو بالانفجار .. فأوضاع بلداننا تتشابه وإن تفاوتت في حجم الظلم وكيفيته.

تحدث عن كل شيء ، عن السياسة والاقتصاد والرياضة والفن ..

عن الثورات والثورات المضادة، وعن غفلة الشعوب.. ومكر الساسة الموغلين في الفساد ..

عن الدين، ومستقبل هذا الدين العظيم الذي خذله أبناءه ..

لم يبق شيخ يتوضأ بنفط الممالك لم يشتمه، لم يبق نظام سياسي يقامر بشعبه لم يلعنه، لم يبق ساذج مشهور يظن أنه يعيش تحت ظل أنظمة نقية من أوضار الخيانة والعمالة لم يهزأ بعقله..

كادت العبرة تخنقه ذلك المساء ، حين وصل بحديثه عن بشاعة ذلك الاغتيال الغادر للصحفي الجميل: جمال ..

تذكرت حينها بيت لشاعر معاصر:

وأنَّ حريةَ الإنسانِ أَوَّلُهَا حرفٌ *** وآخرُها حبلٌ على العُنق !

وقلت في نفسي : ذلك زمان "الحبل" ..

لم يكن عالم الاغتيالات قد عرف طريقة "المنشار"، و "التجزئة"، و "حمض الهيدروفلوريك" بعد !

كان جاسم غاضباً وساخراً في الوقت ذاته، يراوح بين الكويت والرياض ..

بين إسقاط العضويات هناك، وبين إسقاط القيم هنا.                                                                                      

بين البدون الذين يعرفهم هناك، والبدون الذين يجهلهم الناس هنا.                                                                 

بين دستور يٌفرغ من مضمونه هناك، وبين نظام حكم يقول أنه وفق القرآن والسنة هنا.

نتشابه كثيراً نحن أبناء الخليج، لدينا ذات السحنات الداخلية، ذات الهموم والطموحات والآلآم.. و"أصل" المشكلة التي تعيق كل الحلول.

أخبرته عن تشابه تفاصيلنا، وأنا أُومئ إليه لينظر للنجوم:

انظر ياجاسم، كل هذا الليل لم يستطع بعباءته أن يجرف نجمة واحدة في ظلمته، هذه النجوم نحن ياصديقي.. لايطفئنا ليل الظالمين..

حتى النجوم التي خبا نورها، ستحييها صرخة الأماجد حين تنطلق ..                                                         

سينبثق من بيننا مشروعاً ما، نجتمع حوله.. ويحمل لواءه شرفاء لم يركعوا أمام سوط، أو تنبت أجسادهم من مال الحكومة.

ونحن آيبين، لم ينس أن يذكرني في ختام ثرثرته:                                                                                     

"الفساد في الخليج ياتيمور ، ثلاث أرباعه في تلك الإمارة الخبيثة، وربعه يطوف في الخليج ثم يعود ليبيت هناك" ، ضحكنا بعدها طويلاً تلك الليلة.. .

مرت بي كل تلك التفاصيل، على وقع هدير محرك سيارتي وأنا في طريقي المظلم وحيداً هذا المساء ، للمكان الذي صحبت جاسم إليه ..

برودة منعشة في الخارج، وثمة قطرات مطر خفيفة تتيح لي فتح النافذة، أرى النجوم ساطعة وتقترب للأرض كلما اقتربت أنا من الصحراء..

أتذكر ماقاله محمود درويش يوماً ما: "الطريق إلى البيت أجمل من البيت".. وابتسم..

فالبيت هو المكان الذي يجد المرء فيه أمانه، أياً كان سقف هذا البيت، اسمنتياً .. أو سقف مليء بالنجوم .


6 / 6 / 1440                                                                                                                                                  تيمور / @temor75