Image title

كعادته نهار كل يوم، يحلق بأجنحته المُنهكة، جرّاء حبسه ليلاً بسجن ذي قضبان ذهبية، في ذلك القصر الشاسع والبراق بعيون قاطنيه، أرجاؤه تحوي لوحات رُسمت لتكريم الجمال، وصور التُقطت لتخليد اللحظات، ومنحوتات صُنعت بأنامل قاسية، ومختلطة بعرق الكد. يشاهد تلك الزُرقة التي تحوي بقع البياض، لكنه يدنو منها بمهارة معتادة، فاليوم هو التسعون له في هذا المكان الموحش، لقد خُدع في المرة الأولى عندما اعتقد بأنها السماء، وكانت النتيجة أن اصطدم بسقف ألمَّ بروحه قبل جسده، فأيقن حينها بأنه لن يراها مجدداً، وأن الشمس بات بينه وبينها حجاب.

ما إن يحاول التحليق بشكل طبيعي حتى يتراجع بيأس، ويستمر بطريقته الميكانيكية المحسوبة، توقف في إحدى محطاته المعتادة، تلك المنحوتة التي اشتراها صاحب القصر من ملياراته التي جناها باستثماره لأحلام الفقراء، أمعن النظر في الطبيعة الخلابة خلف النافذة، لكنه قُمع بإغلاق الستارة من قِبل إحدى خادمات القصر، فهي كما بقية قاطني هذا المكان، لا تولي أي اهتمام لهذا الطائر الصغير، وهو بنظرها مجرد دمية من مئات الدمى التي اشتراها رب عملها لطفله، لكن الفرق أنها دمية تحوي قلباً ودماً وروحاً، ورغم أنه يعيش في قفص ذهبي، وبأمان من خطر مخلوقات تريد التهامه، أو أناس يريدون اصطياده، إلا أن قواه خارت وقدراته تراجعت، وعلم بأنه لم يعد باستطاعته أن يجاري أقرانه الأحرار في الخارج.

قفز من مكانه فزعاً، إثر صوت كسر زجاج هتك ستار صمته، وبعد أن هدأ، أحس بشعور غريب، بدأ يشعر بروح الطبيعة، ويستنشق عبيرها، وكأن الفطرة أبت الموت رغم هذا السجن الذي ماتت فيه مئات الطيور، فتح جناحيه واتجه إلى حيث تقوده الحاسّة، ليرى الطفل الذي أسره من غير إدراك، يقف ضاحكاً أمام النافذة التي حطم جزءاً صغيراً منها، والخادمة منزعجة، تلملم بقايا القطع الصغيرة المتناثرة من الزجاج، هنا.. تردد قليلاً، فالثقب صغير يكاد يسع جسمه الرقيق، ويبدو أن حواف الزجاج المتكسر ستخدشه أثناء مروره، لكن الغلبة كانت للفطرة، فطار مسرعاً كالمشتاق لأمه بعد فراق طويل، ليعبر ذلك الثقب وهو يشعر بلسعات حارقة ومؤلمة.

تنفس الحرية أخيراً، داعبته أشعة الشمس، رقص مع الهواء، لكنه لم يستطع إكمال تحليقه لضعف قواه، ولكمية الدماء التي خرجت من جروحه، فبدأ الهبوط القسري شيئاً فشيئاً، حتى ارتطم بشجرة وسقط، لينزف دمه الطاهر، ويغمض عينيه للمرة الأخيرة، على وقع أصوات الحياة.