من عجيب ما مرَّ بي: أني كنت ذات ليلة واقف بجوار "مقام إبراهيم" بالمسجد الحرام، فرأيت طفلًا في الثالثة عشرة من عمره، يقف بجانبي، ينظر للمقام ويقهقه ويضحك، ويضرب بيديه في تعجبًّ واستخفاف!

ثم إذا به يلتفت نحوي، ويقول:

كيف يُعقل أن تصدقوا هذه الأشياء؟! وأين هي آثار الأصابع؟ وأخذ يُكّذب بعبارة لا أحفظها أن يكون هذا المقام لنبي الله إبراهيم عليه السلام.

فكادت الأرض تميد بي، لكلامه الذي قال، ثم إنه لخوفه مني، ذهب بعيدًا إلى حيث لا أدري في زحمه الناس والطائفين، ولو أنه وقف قليلًا، لأذهبت ما يجده في رأسه من لبس، فهذا المقام ليس على هيئته الأصلية، لطول العهد والزمان، فقد جرى عليه التغيّر والتبدل حتى زالت أكثر معالمه، يدل على ذلك حديث رواه أنس رضي الله عنه أورده البخاري في صحيحه، وليس هذا موضع إيراده وبسطه.

ولقد أثار كلامه هذا في ذهني تساؤلًا حينها، فهذا الطفل، الذي هو بهذه المثابة من العمر، من أين له أن يرد على عقله مثل هذا السؤال؟!، وكيف له أن يقول ما قال مكذبًا مستهزئًا، وهو لما يبلغ سنّ الرشد بعد.

فلم يكن ثمّة جواب عندي في ذلك الوقت.

حتى سمعت ما سمعت في أيامنا القليلة الماضية، من خبر هروب فتاة في الثامنة عشرة من بين أهلها، وتركها دين الإسلام بالكليّة.

فعلمت عندها الجواب على هذا السؤال، وهو أن هؤلاء الأطفال، قد تم استهداف عقولهم، وأن من استهدفها قد غرس فيها أننا ندين بدين وجدنا عليه الآباء والأجداد، فصدقناه واعتنقناه، على غير كبير بصيرة، وعلى غير اعتداد أو علم أحق هو أم باطل ؟!

فلشده التشكيك في أمر هذا الدين، صار على هؤلاء الأطفال أن يعيدوا النظر في كل صغيرة وكبيرة مما يتعلق بهذا الدين، ويقفوا أمامها حائرين، هي حق، أم هي باطل، هي صدق، أم كذب؟!، وهكذا ... دواليك، إلى أن يخرج الواحد منهم عن الإسلام بالكلية كما صنعت هذا الفتاة.

فهذه النتائج التي نراها، من خروج عن الإسلام، ومن تكذيب واستهزاء بالرسل والأديان، ليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتيجة لاستهداف منظّم، فهذه الأفكار لا يمكن أن ترد على عقول هؤلاء الأطفال، من غير أن يزرع بذرتها زارع، ثم يسقيها وينميها حتى تعظم وتكبر وتستفحل.

والعلاج لمثل هذا المأزق الخطير الذي بدأ يجتاح شبابنا وفتياتنا، هو في التصدي لمثل هذه الحملات المسعورة، وفي أن لا نترك شبابنا وفتياتنا لقمة سائغة للأعداء، يزرعون في عقولهم ما يشاؤون، فالعقل الفارغ الذي لا علم فيه قمنٌ أن يملأه أي شيء حتى الكفر بالله وبرسله.

والعجب كل العجب ممن يريد من الشباب أن يقفوا أمام هذه الموجه بغير عدد ولا عدّة من علم أو فهم، ويدعي أن لا بأس في أن تُعرض عليهم مثل هذه الأفكار، وأن هذا زمن الانفتاح والحرية!

 فليت شعري!، إذا كان الدين الذي هو رأس مال الإنسان وبه حياته أصبح من الأمور التي يجوز فيها الأخذ والرد  باسم الحرية، فماذا بقي لنا بعد؟!

***

بقلم: سآمي