Image title

"ما يبدأ في الغالب بوصفه أساسًا يمكن من خلاله فهم التقدم والازدهار والرفاهية - كأفكار التنوير والإنسانوية - يعاود الظهور فجأة باعتباره سبيلًا لبيع ما لا يحتاج الناس إليه ، ولجعلهم يكدحون في العمل لمصلحة مديرين لا يحترمونهم ، ولتكييفهم مع أهداف سياسية لم يشاركوا في صياغتها"
-ويليام ديفيز

(1) 
أن تستضيف راهبًا لتكسب المال

في مقطع للفيلسوف السولفيني : سلافوي جيجكيتكلّم عن بوذية جديدة ، هي بالتحديد بوذية غربية حداثية ، وهي التي تنتشر بشكل واسع جدًا بين التجار وكبار رجال الأعمال ، ويحلّل السبب فيقول أنه لو سألنا أنفسنا سؤالًا : في عالم رأسمالي مجنون ومتسارع ، ما الروحانية الأنسب لمثل هذه الحالة؟ ، يجيب جيجك بأن البوذية تتفوّق على المسيحية هنا ، لأن لها رسالتين : الأولى : هذا العالم الخارجي ليس هو العالم الحقيقي ، والثانية : إذا مارست طقول التأمل البوذية ستصبح أكثر فعالية وكفاءة وإنتاجية في السوق ، بالتالي فهي أيدلوجية روحانية متصالحة تمامًا مع العالم الرأسمالي الديناميكي ، وفي ذات الوقت تناسب حركته - لا تضادها أو تعارضها -
كان هذا تحليل جيجك لانتشار البوذية والترويج لتقنيات التأمل الذاتي ، وكأنه أشبه بالنبؤة .. قال جيجك هذا الكلام في العام 2012 ميلادية ، ليأتي العام 2014 ميلادية ، وتكون افتتاحية "المنتدى الاقتصادي العالمي - World Economic Forum" - WEF وهو مؤسسة ضخمة ترعى سنويًا حدثًا عالميًا يتجمّع فيه قادة الدول ورجال الأعمال الكبار وأصحاب أعظم الثروات في العالم ، في العام 2014 ، استضاف المنتدى عدة محادثات عن الـmindfulness - الاستغراق العقلي ، والتأمل البوذي ، وكان أحد المتحدثين الراهب ماثيو ريكارد الرجل الذي يروّج لنفسه أنه "أسعد إنسان على وجه الأرض" ، الذي شرح لأصحاب الأعمال طرق الاسترخاء والتأمل والاستغراق العقلي ، لضمان "الصحة العقلية" في عالم مجنون. 

Image result for matthieu ricard
Matthieu Ricard

من هذه النقطة تحديدًا ينطلق الكتاب ، ليحللّ كيف بدأت هذه "الموضة" من الاهتمام بالسعادة كموضوع وبالصحة الذهنية والنفسية داخل أروقة الأعمال التي من المعروف أنها في النهاية لا يهمها سوى "الربح" و"الإنتاجية" و"الاستدامة" والتي هي بالفعل موضوعات المنتدى الاقتصادي العالم ما قبل 2014 بشكل مكثّف وواسع. 

لماذا؟ ، نعود مرّة أخرى لجيجك : العالم مجنون ولا يحتمل ، وإذا أردنا استمرار الرأسمالية في مهمتها الأساسية لابد أن نجد طريقًا لجعل السعادة أمرًا يمكن تطويعه وقياسه والاستفادة من وجوده داخل بيئاتنا الرأسمالية التي تسبب العكس تمامًا. 

في الإمارات تمّ تعيين وزير للسعادة من قريب ، في كبريات الشركات العالمية هناك مدراء للسعادة - صار هذا أشبه بالطقس - ، في جوجل هناك "مرشد روحي" ، هذه إذًا بالفعل تطبيق لنبؤة جيجك ، البوذية ، اليوجا ، تقنيات التأمل تنتشر كالنار في الهشيم بين وخلال وفي الممارسات الرأسمالية التي يحكمها الربح - وكما نعلم : الربح فقط! - 

في تعقيب لأحد المشاركين قال : "لقد اخترعنا المشكلة التي نحاول حلّها ، العمل لساعات طويلة أصاب المديرين بالإجهاد الدائم وبالتالي صاروا يسعون للتأمل للانفصال عن كل هذا الضغط - عالم مجنون ديناميكي كما قال جيجك - " ، لكن ليس هذا على مستوى المديرين فقط ، بل إن الإحصائيات تشير إلى انتشار الأمراض مثل الاكتئاب والقلق في المجتمعات التي تنتشر فيها قيم تنافسية - القيم الرأسمالية - ، أؤكد لك أن هذا لا يهم صناع السياسات الرأسمالية في شيء ، يهمهم فقط شيء واحد الربح ، وهذا في الحقيقة هو سبب الاهتمام ، إذ أن الإحصاءات أخبرت صنّاع السياسات أن عدم إحساس الموظفين بالسعادة يكلّف اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية 50 مليار دولار ، وهنا ، هنا بالتحديد ، كان لا بد أن ندرس هذا الموضوع ، لنجعل السعادة أمرًا يمكننا التحكم فيه وفهمه و"تدريب" الموظفين عليه. 

(2) 
في التغيّر الاجتماعي ، عودةٌ نحو ماركس

لا يمكنك تجاهل ماركس عند الحديث عن الرأسمالية بالطبع ، لكن هنا بالتحديد ، تقدّم نظرية التغيّر الاجتماعي التي أشار إليها كارل ماركس إطارًا يمكن فهم الكتاب كله من خلاله ، إذ يرى ماركس أن تفاعل الإنسان مع التكنولوجيا ، والتي لا تقتصر على الآلات والأجهزة المتقدمة وخلافه ، بل أيضًا طرق التنظيم والإدارة ، هي التي تقود التغيّر الاجتماعي ، ضمن دائرة تفاعل تشمل : المفاهيم الذهنية - الترتيبات المؤسسية - العلاقات الاجتماعية - التكنولوجيا - الإنتاج - إعادة إنتاج الحياة اليومية ، وهكذا ، في شكل دائري ، تتفاعل هذه العوامل معًا لتنتج "المجتمع" 
Untitled

في الكتاب ، يظهر بشكل واضح ، كيف تتفاعل هذه العوامل معًا لتشكّل أو "تصنع" السعادة الرأسمالية .. 
لكن الأهم هنا هو أن هذه العوامل ما كانت لتتشكل معًا لولا التكنولوجيا ، التي مكنت "أدوات القياس" أن تكون خارج المعمل ، لتكون في يدك ، فـ"جوجل" تعرف كم خطوة مشيت ، ومن خلال تفاعلاتك على الإنترنت يمكن تحديد ما إذا كنت سعيدًا أو حزينًا ، فيس بوك تتلاعب بحالتك النفسية "عمدًا" ، كل شيء يمكن قياسه من خلال جهاز صغير في يدك ، وهو ما سمح لهذه الدائرة أن تعمل وتتحرك ، وتشكّل ، أو "تعيد إنتاج الحياة اليومية" .. 

هذا الكتاب دراسة تطبيقية - وإن لم يشر الكاتب لهذا - لهذه النظرية ، فهو يبدأ في بناء فرضياته من عصر التنوير ، وصولًا إلى تكنولوجيا اليوم ، من خلال حياة الموظفين ، العاملين داخل الشركات ، فهو لا يتعرض للسعادة من حيث هي مفهوم إعلاني يدور حوله الاستهلاك في عالمنا ، لكنه يتعرض لعملية "إنتاج السعادة" ، من حيث هي عملية اجتماعية تحاول القبض على مفهوم السعادة ، وتصنيعه ، داخل وخارج المعمل ، بل هي تهدف - كما هي الرأسمالية دائمًا - لجعل الحياة بكامل أنشطتها معملًا ضخمًا ، تتحكم فيه وفي تجاربه طوال الوقت. 

(3) 
بمقدار إنش وثلاثة أشبار : في البدء كانت المفاهيم الذهنية

جيرمي بنتام هو فيلسوف حسّي إنجليزي ، ويمكن أن نقول أنه "مهندس يتفلسف" ، فقد كان مولعًا طول الوقت بابتكار تقنيات جديدة تساعد في الحكم السياسي الرشيد القائم على النفعية - فلسفة بنتام الأساسية - ، ومن أشهر ابتكاراته التّي تعبر عن رؤيته للعالم هو البانوبتيكون ، وهو سجن يمكن مراقبة جميع نزلائه من خلال برج مراقبة واحد ، وقد اقترحه بنتام على الحكومة الإنجليزية إلّا أن المشروع توقّف .. 

Related image
Panopticon

كان بنتام معاديًا للفلسفة ولقضاياها ، ويراها ممارسات خطابية لا تغني ولا تسمن من جوع ، فهو لا يرى أن هدف السياسة هو الحق والعدل والقيم البالية الخطابية ، بل هدفها هو "تحقيق السعادة" ، وكيف ذلك؟ ، من خلال السيدين الكبيرين : اللذّة والألم ، وإن كان يمكننا التحكّم في اللذة والألم هؤلاء ، فما الباقي إذًا؟ ، كان هذا هو مشروع المحامي الفاشل ، الذي اتجه للمعمل والكيمياء : جيرمي بنتام. 
رأي أن السوق الحرّ هو سيّد اللذة ، والحكومة هي سيّد الألم ، السوق الحر يثيب ، والحكومة تعاقب ، لذا ليس مستغربًا أن يطوّر نماذج تقنية للسجن ولوسائل العقاب. 
كان بتنام يحتقر اللغة ، ويرى أن الاعتماد عليها لوصف المشاعر لا يعني إلا "حماقة بلاغية" ، ومن هنا كانت رسالته أن نجد طرقًا مادية "مختبرية" لقياس الألم واللذة ، وبهذا نكون صنعنا علمًا لسعادة الجنس البشري! ، حاول جيرمي بنتام ذلك من خلال أمرين : الأول : قياس معدل نبضات القلب ، والثانية؟ ، خمّن؟ ، النقود - ليس غريبًا على رجل يمجّد السوق الحرّة - لكنهما في النهاية لم يعبرا عن أي مشاعر ، بل عن آثار  لها. 
جاء بعده شخص "فيزيائي فيلسوف" ، هو جوستاف فخنر الألماني ، والذي كان يبحث نفس الأمور ، إذ كان يعتقد أن العقل والنفس بينهما ارتباط بشكل ما ، وأسس ما يعرف باسم السايكوفيزيكس psychophysics ، لدراسة النفس البشرية من وجهة نظر رياضياتية في محاولة لإيجاد قوانين عامة لظواهر نفسية/عقلية من خلال قوانين الفيزياء الرياضية ، أي أنه كان يطمح أن يجد قانونًا للسعادة ، كالقانون الثاني للديناميكا الحراية ..  
مات جيرمي بنتام في العام 1832 ، ومات فخنر في العام 1887 ، ولم يشهدا عصر انتصار المفاهيم الذهنية ، عصر بناء أجهزة الأشعة المقطعية ، وعلوم الأعصاب ، وعلم النفس العصبي ، وتطوّر أدوات القياس للدماغ ، ونسيان الفلسفة تمامًا وقضاياها ، إنه عصر انتصار جيرمي بنتام على كانط .. وعلى كل شيء إلا سيدا البشر : اللّذة ، والألم ، عصر الأدمغة الشفافة ، حقيقة ومجازًا ، فدماغك تخضع للأشعة ومجسّات القياس طول الوقت ، ودماغك أيضًا تقيسه الشركات الكبرى ، فهناك من يقيس مستوى الإجهاد من بيانات نومك ، وموعد استيقاظك  ،ومقدار حركتك ، وكل شيء مدوّن بدّقة ، في سبيل "المال" ومن خلال "المال" في سبيل الطريق للسعادة. 

(4)
سلوك المستهلك : الاقتصاد العصبي والاقتصاد السياسي والنقود.

إن كان الأمر بدأ من مفاهيم ذهنية ، فقد استمر هذا التقليد كذلك في الدراسات العلمية تتحرك في اتجاه أسّس له جيرمي بنتام ، وبالطبع أسس له الاقتصاديون الكلاسيكيون ، بدءًا من آدم سميث ، وصولًا لفالراس ، والمعروف بنظرية "القيمة" ، والتي تنصّ أولًا ، أو تفترض في داخلها أن المستهلك يتخّذ قرارات عقلانية تمامًا - يعرف في علوم الاقتصاد باسم مدخل الرشد - ، وأن قراراته هدفها واحد : تعظيم المنفعة ، وأن قياس المنفعة يساوى القيمة ، والنقود هي "مقياس للقيمة" - عدنا مرّة أخرى لفرضية بنتام - ، نشأ علم الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي كإجابة لسؤال : تعظيم المنفعة ، والتي هي بمعنى آخر تعظيم للذّة - لهذا كان يؤمن بتنام بالسوق الحرّة ويمجّدها - ، ودرسوا قرارات المستهلك وفقًا لهذا النموذج ، فنشأ نموذج المنفعة الحدّية ، الذي يحاول أن يفسر سلوك المستهلك وفقًا لحسابات عقلانية للقيمة والسعر ، ونشأ مفهوم تكلفة الفرصة البديلة ، أي أن المستهلك يقارن الفرص وفقًا لعوائدها - لذائذها - وآلامها - تكلفتها المقاسة بالنقود -
هنا ظهر اقتصادي يُدعى استانلي جيفونز ، قرر أن يغوص أعمق من ذلك ، فبدلًا من قياس الأمر بالنقود وفقط ، قرر أن يغوص للعمق السيكولوجي للإنسان ، محاولًا قياس قدرات العقل نفسه ، ما الذي يدفع الإنسان لاتخاذ قرار ما أن قيمة شيء ما تتجاوز قيمة شيء ما مساوٍ له في مقدار النقود؟ ، ومن هنا انفتح مجال بحثي عميق في عقول المستهلكين ، يحاول طول الوقت ليس فقط تحليل "تفضيلات المستهلكين" بل النظر ورائها ، وتحليل "الحافز" أو "الدافع" - والذي هو بالمناسبة تحليل أساسي في مجالات الاقتصاد الجزئي اليوم - وقد وجه برفض من اقتصاديي العصر حينئذٍ إذ يكفيهم فقط قياس "التفضيلات" وانتهى الأمر. 
كان نتيجة لهذا ، أن نشأ مصطلح "الإنسان الاقتصادي" ، وهو إنسان لا يتوقف عن الحساب طول الوقت ، وعن موازنة اللذّات والمنافع وحساب النقود ، ويتحرّك وفقًا لمصلحته الشخصية وفقط ، وهذا الإنسان هو الإنسان المثالي بالنسبة لعلم الاقتصاد.
لكن مع أزمات الرأسمالية العالمية وعلم الاقتصاد الكلاسيكي ، ظهر علم الاقتصاد العصبي - ويعرف باسم علم الاقتصاد السلوكي كذلك - ، الذي يستخدم نفس منهج جيفونز في قراءة العقل ، فيربط بين الاقتصاد والدراسات السيكولوجية ، والذي انتهى في نهاية المطاف إلى أن محفّز اللذة هو "الدوبامين!!" ، ومن هنا بدأت التحليلات النفسية تنهال من قبل الاقتصاديين وغيرهم ، وتحرّك مقياس المنفعة من النقود ، إلى علوم السيكولوجي والأعصاب. 
ومن هنا ، تلى جيفونز - والذي كان اقتصاديًا كلاسيكيًا - مدرسة تحكم الإطار المفاهيمي اليوم وهي مدرسة "شيكاغو" ، المتعارف عليها أكاديميًا باسم "النيوليبرالية" ، والتي باختصار كان الانتصار الأيدولوجي النهائي لأفكار بتنام ، إذ أنها دافعت بشكل مستميت عن "نظرية السعر" ، والتي هي مجرد إعادة صياغة لكلام جيفونز .. 
وبدأ تحليل المستهلكين كذوات حاسبة ينتشر في الأكاديميا الأمريكية تحديدًا ، خاصةً بعد عدة مشكلات بلي بها النموذج الرأسمالي الكينزي الذي كان يقف موقف الضد من الرأسمالية النيوليبرالية .. 
لكن : من أين بدأ كل هذا؟ 
بدأ الأمر بالسقوط المدّوي للقيمة ، في عالم حداثي ، لا يمكنك الحديث عن سعادة أو طمأنينة أو هذه الأشياء ما لم تتمكن من "قياسها علميًا" ، وبما أنه ما من مقياس متفق عليه لهذه الأشياء ، فلتكن إذًا الأرقام هي المقياس الأساسي والرئيس! ، ولتكن كل المصطلحات ، مصطلحات تشير إلى أرقام ، لا أدل على هذا من قول ميلتون فريدمان - عرّاب مدرسة شيكاغو النيوليبرالية - : "الواجب الأخلاقي الوحيد لأي شركة ، هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح" 
وبهذه الصورة ، وبتلك الطريقة في التحليل ، بدأ تحليل السعادة من جديد من خلال "الأرقام". 

(5)
لماذا يجب أن تكره ديفيد بيكهام؟ (سيكولوجية الإنسان الحداثي)

"إن نموذج تطوير الذات الذي تطرحه الحضارة الغربية على الشعوب المتخلفة ، يأتي ومعه وباء الإحباط الفردي ، كل ما يجلبه الغرب من مزايا لا يعادل شعور الطمأنينة الذي كان الفرد يشعر به وهو في أحضان بيئة مترابطة ، حتّى عندما يحصل المواطن المحلّي الذي يقلد الغرب على ثروة أو يتقن مهنة محترمة فإنه يظلّ شقيًا ، يظل يشعر بالغربة واليتم ، والحركات القومية في البلاد المستعمرة هي إلى حد ما محاولة لاستعادة الوجود الجماعي الذي سبق الاستعمار ومحاولة للإفلات من الفردانية الغربية" 
- إيريك هوفر | المؤمن الصادق

النيوليبرالية فكرة ملخصها أن على الدولة من حيث هي جهاز تنفيذي ترك السوق الحر يعمل وحده ودون عراقيل أو تنظيم من أي نوع ، لأن الإنسان أصلًا آلة حاسبة ولا حاجة لإخباره بما يجب عليه فعله ولماذا يجب أن يفعله ، وبين البايع والشاري : يفتح الله! ، وكما ذكرنا : في البدء كانت المفاهيم الذهنية ، ثم الترتيبات المؤسسية تأتي تلاحقًا .. 
بريطانيا دولة لها تاريخ في النيوليبرالية ، فقد بدأت منذ عصر مارجريت تاتشر في تطبيق منهج صارم ضد السياسات الاشتراكية التي كانت الحكومة تتبانها قبل صعود حزب المحافظين البريطاني ، وما يعنينا هنا هو دور الدولة البريطانية في تأسيس النيوليبرالية و"ثقافتها" 
من الأشياء التي تستخدم كدعاية مضللة للأيدولوجيات المشابهة أنها محايدة ، تعتمد على غريزة الحرية والربح في داخل كل إنسان ، وبالتالي لا يجب - من باب أخلاقي حتّى - أن تعارضها! ، هي أشبه بالقانون الطبيعي! 
ما لن يخبرك به النيوليبراليون أن لكل أيدولوجيا أخلاق ، وسياق اجتماعي مؤسس ، ومفاهيم ذهنية تأصيلية ، وإلا فلن تستمر .. 
في النيوليبرالية : لا يمكنك أبدًا أبدًا أبدًا أن تنجح ما لم يكن هناك تنافس محموم شرس بين كل أطراف الصراع الاقتصادي .. وبالتالي ، لا بد من إرساء "المنافسة" و"المصلحة" و"المنفعة" كمبدأ اجتماعي أساسي .. 
وهكذا كان الأمر ، فقد كان خطاب حزب المحافظين طوال الوقت يهاجم القيم التعاونية ويعلي من قيم "المنافسة"  ، ولأننا نحتاج إلى "أمثلة اجتماعية" ، فقد كانت "كرة القدم" هي البوابة التي دخل منها الساسة الإنجليز لإرساء قيم المنافسة ، فللرأسمالية أخلاق ، لا يخلو شيء من قيمة مهما أعلن الحرب على القيمة في ذات الأمر! ، صار الساسة يتكلمون بكثرة عن البطولة الفردية لبعض النجوم ، التميّز الذي نحتاجه ، السباقات المحمومة للفوز بالأشياء .. 
قام عالم النفس "تيم كاسر - tim kasser" ببحث ضخم عن أثر القيم النيوليبرالية مثل : المنافسة - الرغبة في النقود - السعي للسلطة على الصحة النفسية ، ووجد أن أولئك الخريجين الذين تحركهم هذه القيم ، أكثر اكتئابًا ، وقلقًا ، وأكثر عرضة للأمراض العقلية! 

من الأشياء التي تخلقها قيمة المنافسة هي فكرة "العوز النسبي" ، لأنها تخلق ولا شك "مقارنة" لأننا في "سباق" نحو "الثروة - السلطة - المكانة" ، وبالتالي نقع طوال الوقت في فخ "الاستهلاك المظهري\التفاخري" بتعبير فالرشتين ، لأننا نقارن فسنظل طول الوقت في حالة من "العوز" ، نحن "أقل" مما "نريد" طوال الوقت ، لأننا وسط قيمة المنافسة لا قيمة التعاون ، قيمة الفردانية لا قيمة الجماعية. 
وبالتالي : الفقر يقلّ في العالم ، هذا صحيح ، لكن "العوز النسبي" يزيد بشكل جنوني! ، فكثير من أبناء الطبقة المتوسطة اليوم يصنفّون أنفسهم على أنهم "فقراء" ، لهذا السبب ، رغم أنه أكثر غنىً من المتوسط من 100 عام! 
هذا ما أظهرته دراسات على المجتمع الإنجليزي بعد تطبيق التاتشرية ، فرق هائل في توزيع الثروة ، زيادة مضطردة في الأمراض العقلية والنفسية من الاكتئاب والقلق وغيرها من الأمراض! و ... الإدمان!  ، مرض الرأسمالية الأكثر توحشًا!  

العلاقة بين الرأسمالية والإدمان علاقة وطيدة لهذا السبب ، في الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي للأمراض النفسية ، شمل تعريف الإدمان توسعًا غير مسبوق ، فقد صار خارج إطار العقاقير وما تمثّله ، وأصبح هناك إدمان لكل شيء تقريبًا : الطعام ، والموسيقى ، والجنس .. وألعاب الفيديو ، والإنترنت! 
يتكلّم د.جابور ماتيه ، عن الرأسمالية وما تفرزه من أمراض ، ويقول أن الإدمان مرض رأسمالي خالص ، فأنت لا يجب أن تنظر داخل الشخص فقط ، ولكن انظر خارجه ، أشخاص فردانيون ، في عزلة كاملة ، لا يمكنهم على الإطلاق أن يهربوا من ذواتهم ، وتلّح عليهم حاجاتهم الاجتماعية ، يجب عليهم الحرب! ، الإدمان مرض في الذات ، وليس في العقاقير ولا في اللذات والمتع ذاتها! 

ألعاب الفيديو الاجتماعية المنتشرة مؤخرًا تثبت أن الإدمان هو في النهاية محاولة علاج للذات! ، لماذا يقضي لاعب بالغ أو مراهق على pubg قرابة الـ10 ساعات أو أكثر يوميًا ، ببساطة ، ليس لأن اللعبة فيها مخدرات! ، بل لأنها "مجال اجتماعي آمن" ، هناك أصدقاء حقيقيون ، تقاتلون "معًا" ، وتربحون "معًا" ، هذا الإطار لا توفّره الأطر الاجتماعية التي تركّز طول الوقت على قيم المنافسة والمنفعة والفردانية ، وخاصة لدى المراهقين الذي تطأهم الحياة بتلك القيم ومازالت خبراتهم معدودة ، في هذه الحالة ، الهرب نحو مجال اجتماعي آمن هو الخيار الأمثل! 
الإنترنت ليس فيه ما يجعلك تدمنه ، ما في داخلك هو ما يجعلك تحب أو تكره! ، تدمن أو تقلع! ، والذات الحديثة ذات فردانية مليئة بالأمراض التي فرضها هذا النمط ، فلا عجب من الإدمان إذًا! 

كذلك إدمان مواقع التواصل الاجتماعي إنها في النهاية رغبة دائمة في "إظهار الذات في سياق تنافسي" ، لأنها تعتمد تقنية الـBroadcast and consume - البثّ والاستهلاك ، هناك شخص يبث ما يعبّر عن ذاته ، والآخر يستهلك ، الناس باختصار يحتاجون إلى الاهتمام ، وإن لم يكن هذا الاهتمام متاحًا في سياق اجتماعي طاحن يغذّي المنافسة والفردانية ، فستتحول الرغبة في الاهتمام إلى "نرجسية" ، ولا عجب أن تثبت الدراسات أن مواقع التواصل الاجتماعي تزيد من فرص الإصابة باضطرابات النرجسية وجنون العظمة وتمجيد الذات! 

إدمانات العصر الحديث وأمراضه هي احتجاج صارخ على جعل المنافسة والمصلحة هي القيمة الأساسية للمجتمع ، لكنه ليس احتجاجًا نحو الخارج ، نحو الظروف ، بل احتجاج نحو الداخل ، نحو أنفسنا! 

أمّا لماذا يجب أن تكره ديفيد بيكهام ، فلأنه عندما تمّت مواجهة توني بلير بمثل هذه الأسئلة عن عدم العدالة والمساواة وعن انتشار  المناخ التنافسي ، قال : "أظنّ أن التأكد من أن ديفيد بيكهام يتقاضى أجرًا أقل أسبوعيًا هي قضية لا تعنيني!" 
أكرهك يا سيد توني ، وأكره ديفيد بيكهام! 

(6) الموظف السيكوسوماتي - شبح نهاية الرأسمالية

"أما إذا أصابهم المرض ، فإنما يعزى ذلك إلى أنهم لم يبذلوا ما في وسعهم من العزم والجد في اتباع النظام الصحي ، وأمّا إذا ظلّوا عاطلين عن العمل ، فإنما يعزى ذلك إلى أنهم عجزوا عن تعلم مهارات النجاح في مقابلات الوظيفة أو إلى أنهم بكل بساطة : كسالى لا يرغبون في العمل ، وأما إذا كان يعوزهم اليقين بشأن إمكانات نجاحهم المهني ويحزنون على مستقبلهم ، فيعزى ذلك إلى أنه تنقصهم المهارات اللازمة لكسب الأصدقاء والتأثير في الناس وأنهم فشلوا في تعلم فنون التعبير عن الذات وإبهار الآخرين ، هذا هو ما يقال لهم هذه الأيام على كل حال ، وهذا هو ما صاروا يؤمنون به ، وأخذوا يسلكون وفق هذه الإرشادات وكأنها حقيقة واقعة ، وقد عبّر أولريش بيك عن ذلك قائلًا :"الطريقة التي يحيا بها المرء صارت حلولًا تطرحها السيرة الذاتية للتناقضات المجتمعية" ، فما زال الإنتاج الاجتماعي للتناقضات والمخاطر مستمرًا ، ولم يتغير شيء سوى أن مجابهتها تقع على عاتق الأفراد" 
- زيجمونت باومان | الحداثة السائلة

بدأت دراسة الموظفين أول ما بدأت على يد المهندس فريدريك تايلور ، الرجل الذي درس المصانع وكان دائمًا يبحث عن زيادة "كفاءة الإنتاج" ، كان تايلور يدرس البشر كآلات ، لها طاقة إنتاجية ، ومعدّل إنتاج ، وبضرب الرقم في الرقم ثم القسمة على الإنتاج يخرج لنا معدّل الإنتاجية ، كان هذا هو الكشف العظيم الذي سمّى فيما بعد باسم "الإدارة العلمية"
بعد عقود من دراسة تايلور ، ظهرت على الجانب الوظيفي أمور كلّفت كثيرًا ، كما قالت الولايات المتحدة سابقًا ، 50 مليار دولار من جرّاء عدم سعادة الموظفين! ، من أين أتى هذا الرقم؟ 
أثمر الحقن المستمر لثقافة المنافسة ، مع الإدارة العلمية التي تعامل البشر كآلات إلى مجموعة من التوابع التي صارت ظاهرة فيما بعد ، فقد أصبح هناك ارتباط واضح بين الأمراض النفسية والعقلية وبين الوظيفة ، وصار الكثير من الموظفين يشخّصون بأمراض الإنهاك العصبي المستمر ، حتّى أنها صارت متلازمة تدعى "متلازمة الوهن العصبي - neurasthenia" ، كما ظهرت أمراض القلب وخلافه بين الموظفين بكثرة ، بل إنه وفي اليابان ظهر مرض خاص جدًا ، اسمه "كاروشي" والذي يعني : "الموت من إرهاق العمل" - هكذا! - شخص يعمل ويعمل ويعمل ، حتى يموت! 
صنفت فيما بعد الجمعية الأمريكية للطب النفسي هذه الأمور كأمراض نفسية مستقلة وشاع التشخيص بيها فيما بعد واعتمدتها منظمة الصحة العالمية كذلك. 
كما أنه وبالتبعية لسياسات الاقتصاد النيوليبرالي فقد سادت البطالة بشكل غير مسبوق ، وصارت مشكلات العمل تلاحق الموظفين في كل مكان ، كما ازدادت الفجوة في توزيع الدخل بناءً على نفس السياسات أيضًا .. 

هنا أصبح العنصر الذي يضمن للرأسمالية استمراراها "الموظف" هو مصدر التهديد الأول ، إذ أنه لو استمرت هذه الأمور في الانتشار لربما خسرت الرأسمالية قوتها العاملة تمامًا بالمرض. 
وهنا بدأ الاهتمام بسعادة الموظفين ، فظهرت أبحاث إلتون مايو ، الذي أوصى المديرين بقضاء وقت أطول في الحوار مع موظفيهم ، وبدأت ظاهرة "المدير الفرفوش" تظهر بعدها كاستجابة للتوصيات الأكاديمية. 

الخطاب الرأسمالي يركّز جهده طول الوقت على السعادة ، لكن في سياق بعيد كل البعد عن الحلول للمشكلات المجتمعية ، فهو سياق فرداني أيضًا .. 
ستخبرك دورات التنمية البشرية أن "السعادة قرار" ، وأنك يجب أن "تعمل ليل نهار" لكن هذه المرّة لن نقول أنك آلة ، سنخترع مفهومًا جديدًا اسمه "الشغف" ، فسنقول "عليك أن تكون شغوفًا بعملك" ، سنقول : "الإرهاق في العمل هو تكلفة العظمة" ، سنطلق عليك من هنا وهناك "الكوتشيز" الذين يخبرونك كيف تصبح "خارقًا في عملك" ، وبالتالي ستصبح ناجحًا جدًا ، وسعيدًا جدًا أيضًا! ، لا إرهاق بعد اليوم! 
وآه ، لن ننسى تأملك وسلامك النفسي ، سندفع لشركات متخصصة لتدريبك على جلسات التأمل ، لتخرج بعدها بكامل قواك وجاهزًا للإنتاج والعمل! 
سنتحاور معك ، وسنجعل مديرينك قريبين منك ، لكنك في النهاية لن تسائل رأس المال ، ولن تقترب من "السيستم" ، فقط ستكون سعيدًا! 

أنتج هذا الخطاب ظاهرة جديدة من نوعها ، غير مسبوقة ، هي ظاهرة "متلازمة المرض الذاتي" كما أطلق عليها مكتشفها هانز سيلاي ، لأنك إن كنت مطحونًا في عملك ، فستحتفظ طوال الوقت بسخطك تجاه الأوضاع وستظهر احتجاجك دائمًا وأبدًا ، ستقوم بعملك في النهاية نعم ، لكنك ستحتفظ بثورتك .. فأنت بإمكانك أن تنفّذ ما طلب منك قهرًا ، لكنك أبدًا لن تتصالح معه.
ما يمليه هذا الخطاب هو سلطة أدبية "إحراجية" ، فنحن لن نقهرك ، سنخبرك فقط أن "الناجحين" يحبون عملهم بشكل مكثّف ، وأن أولئك "الشغوفين" هم أفضل الناس ، وبالتالي : إذا كان عملك لا يعجبك فهذا لأنك؟ ، صحيح ، لأنك فاشل وغير شغوف! 
ومن هنا ظهر نوع جديد من الأمراض السيكولوجية التي يفرزها النظام الرأسمالي ، وهي المرض الذاتي ، أن يبدو عليك علامات الإعياء والإجهاد النفسي والذهني ، لكن السبب الحقيقي ليس المرض ، بل "الاحتجاج" ، ولما كان الاحتجاج على "مدير فرفوش" ، وسياسة عمل "سعيدة" ، هو تصرّف أخرق وغير أخلاقي ، فأنت تقرر الاحتجاج إلى الداخل ، يظهر الإرهاق العام ، الصداع ، الاكتئاب والأرق والقلق ، الشعور بالضغط الدائم ، ولكن السبب دائمًا ما يكون مستترًا ، فليس هو المرض ، بل هو "متلازمة المرض الذاتي" ، التي يشكو كثير من مديري العصر أنهم يعانون من موظفين غير منتجين ومرهقين طوال الوقت وكسالى ، رغم أن الشركة شيء عظيم ، وقد وفرنا للموظفين وسائل الراحة والترفيه بمختلف أنواعها!
إنه الاحتجاج! ، لكن احتجاج "سيكوسوماتي" ، احتجاج على النظام ، وطريقة الحياة ، وعلى المبادئ الرأسمالية ، والتناقضات الاجتماعية التي تنتجها التي لم يعد الإنسان قادرًا على إظهار معارضته لها ، لأنه كما قال زيجمونت باومان :" فما زال الإنتاج الاجتماعي للتناقضات والمخاطر مستمرًا ، ولم يتغير شيء سوى أن مجابهتها تقع على عاتق الأفراد"

(7)
"ضد الرأسمالية" للبيع - الشركات الفرفوشة

ظلت الدعاية الرأسمالية تمجّد الفردية ، وتعتمد اللذة والمنفعة ونموذج الإنسان الآلة الحاسبة كتفسير أساسي للسلوك الإنساني ، لكن فوجئت بعدها أن الناس ليسوا هكذا ، وأن المكوّن الاجتماعي مكوّن أساسي بل هو الأساس في السلوك الإنساني - كما اكتشفوا سابقًا أن الموظف إنسان له مشاعر وليس آلة! - ، وبعد عدّة أبحاث في علوم الاقتصاد - خاصة الاقتصاد السلوكي - والاجتماع القياسي وعلم النفس السلوكي وغيرها ، تبيّن أن المحفزّات الاجتماعية تحفّز الناس أكثر بكثير من الدوافع الفردية من أنانية ورغبة في التفوق وغيرها ، كما أنها أكثر راحة للإنسان على كل حال ، وهنا كان لا بد من إختراع مثال اجتماعي آخر ، على نمط "المدير الفرفوش" ، وكان هذا المثال هو "الشركات الفرفوشة" ، فقد اعتمدت بعض المقاهي استراتيجية تسويقية أن تخبر الداخلين أن الحساب قد دفع مسبقًا ، مما يدفعه إلى أن يدفع هو للزبون الذي يليه على الطاولة ، وهكذا ، وتكسب الشركات أكثر! 
من هنا بدأت ممارسات تسويقية عرفت فيما بعد باسم "التوجه الاجتماعي للتسويق" ، والتي توجّه المديرين والشركات إلى أن يكونوا "جزءًا من مجتمعهم" وأن يحرصوا على "علاقاتهم بالعملاء" وأن يكونوا جيدي التصرف ، ويجب أن تشكر العميل ، وهكذا مما يتردد اليوم من أدبيات الإدارة والتسويق. 
وبدأت سياسات الهدايا المجانية لتوطيد العلاقة مع العملاء تظهر ، وكل هذا لم يكن غريبًا .. 
ما كان غريبًا حقَا هو أن بعض الشركات تبنّت خطابًا معاديًا للرأسمالية ، فهي تهاجم الفردانية ، تهاجم قيم التنافس والتسابق المحموم ، تهاجم التميز الفردي وتدعم التميّز الجماعي ، شركة تقنية "تهاجم" التقنية! 
شركة تنتج أكثر المواد ضررًا على الصحة في العالم ، وتقوم بحملة تسويقية لدعم "الصحة والرياضة"!

اكتشفت الشركات في لحظة ما أن العزلة مضرّة جدًا بالصحة العقلية والنفسية ، وأن الفردانية جعلت المستهلكين "غير صالحين للاستهلاك" ، فكان هناك ضرورة لنشر "السعادة" ، لكن هذه السعادة ، هي أشبه شيء باشتراكية نيوليبرالية ، فأنت لا تملك شيئًا ، لا تستطيع محاسبة رأس المال ، لا يمكنك حتّى أن تغيّر أوضاعك الشخصية .. 
لكنّك يمكنك أن ترى إعلانات عن السعادة في كل مكان ، ويمكنك أن ترى "كوكاكولا" تكتب اسمك على الزجاجة وأسماء أصدقائك .. 

صعود وسائل التواصل الاجتماعي كذلك ساهم كثيرًا في دعم صورة "الشركة الفرفوشة" ، فسياسيات التسويق بالمحتوى ستغزو الشركات لاحقًا ، وستصبح الشركات "تمزج" ، وتنشر الـMEMES ، كما أن إعلاناتها ستكون كلها "سعادة" و"حب" و"جماعية" ، ستسألك الشركات عن رأيك في الأحداث ، وستتواصل معك لتهنئك بعيد ميلادك ، ستجعلك الشركات تحبّها أكثر وأكثر ، لأن ما يهمنا هو ما في جيبك ، وإذا كان ما في جيبك لن يخرج بالفردانية والتنافس المحموم ، فلا مشكلة ، المهم أن نستمر. 

(8)
العلم كحمار للأيدولوجيا

العلم -كغيره من الممارسات المنتجة (كالدولة والعائلة والرياضة)- مرتبط بغيره من المؤسسات الاجتماعيّة، ويتأثّر بها، فالمشكلات التي يتعاطى العلم معها والأفكار التي يستخدمها لتتبع تلك المشكلات، بل حتى ما تُسمى بالنتائج العلميّة التي ينتجها التقصّي العلمي، كل ذلك يتأثر بشدّة بالأحكام المسبقة المأخوذة من المجتمع الذي نعيش فيه. لا يكون العلماء منذ بداية حياتهم علماء طبعا، بل يكونون أولاً كائنات اجتماعيّة منغمسة في الأسرة وفي الدولة وفي بُنية الإنتاج، وهم بالتالي ينظرون للعالم بالعدسة التي صاغتها تجربتهم الاجتماعيّة.
إضافة إلى تلك التحيّزات الشخصية، فالعلم أيضا يصوغه المجتمع لأنه نشاط إنتاجي إنساني يتطلّب وقتا ومالا وتحكمه (لأجل ذلك) ذات القوى التي تتحكم بالمال والوقت في العالم. يستغل العلم السلع، وهو في الوقت ذاته جزء من عملية إنتاج تلك السلع. كما يستغل العلم المال، إذ يكسب الناس قوت يومهم منه، ولأجل ذلك فالقوى الاجتماعيّة والاقتصاديّة المهيمنة تتحكم إلى حد بعيد بما يفعله العلم، وبكيفيّته. علاوة على ذلك، تأخذ تلك القوى من العلم الأفكار التي تتناسب خصّيصا مع استمرارية البُنى الاجتماعيّة التي ترعاها تلك القوى، وتجعلها مشروعةً وطبيعيّة. تلك العملية مزدوجة: فالعوامل الاجتماعيّة أولا تتحكم بما يفعله العلماء ويقولونه، ثم تستغل ما يفعله العلماء ويقولونه لتدعيم مؤسسات المجتمع، وهذا ما نقصده عندما نتحدث عن العلم حين يكون أيديولوجيا.
- ريتشارد لوينتون | البيولوجيا حين تكون أيدولوجيا

ينضح الكتاب بقصص وتجارب لنشأة علوم لخدمة الإطار النفعي المادي النظري الذي تؤسسه الرأسمالية النيوليبرالية ، بما يجعل ملاحظة ريتشارد لوينتون السابقة مهمّة جدًا إذ أننا نرى نصّ قوله "ولأجل ذلك فالقوى الاجتماعيّة والاقتصاديّة المهيمنة تتحكم إلى حد بعيد بما يفعله العلم، وبكيفيّته. علاوة على ذلك، تأخذ تلك القوى من العلم الأفكار التي تتناسب خصّيصا مع استمرارية البُنى الاجتماعيّة التي ترعاها تلك القوى" 
يتحقق بشكل كامل أمامنا .. 
كانت البداية من مختبرات جوستاف فخنر ، الشخص الذي قرر استدخال الفيزياء لدراسة الإنسان ، ثم تبعه فونت الذي عمل مختبرًا لدراسة الإنسان بطريقة علمية ..
ثم مدرسة علم النفس الأمريكي التي نشأت أصلًا في أحضان الشركات وبتمويلها للجامعات الأمريكية الناشئة وقتئذ .. 
ثم علم الإحصاء ، العلم الذي نشأ أرستقراطيًا سلطويًا ولا زال إلى اليوم تخدم أدواته الطبقات المستفيدة أكثر مما تخدم العامة .. 
ثم علم النفس الدوائي وعقاقير السعادة SSRI .. 
ثم علم الاقتصاد القياسي ، ثم علم الاجتماع القياسي .. 
وأخيرًا علوم التسويق والإدارة التي استفادت من كل هذه الجهود .. 
كل هذه العلوم ، نشأت كما يحكي الكتاب ، بشكل خاص ، لخدمة رؤوس الأموال ، واستخراج "المقاييس" لإدارة الناس والموظفين والتحكّم في "سعادتهم" لما يمثّله ذلك من "اقتصاديات" 
والعلاقة بين العلوم والإدارة ، والعلوم والسلطة ، علاقة وطيدة جدًا ، فطوال الوقت كان العلم في خدمة مراكز القوى المختلفة ، من عصر الاستعمار وإلى اليوم ، ينتج العلم الأسلحة وأدوات السيطرة للأجهزة المسيطرة .. 
كما ينتج البيانات والأدوات والتقنية التي تمكّن الشركات من تحليل بياناتنا طوال الوقت .. 

أسطورة "العلم المحايد" هي أسطورة خلقتها المؤسسات العلمية لتجنّب نفسها "التبعات الأخلاقية" لمنتجاتهم العلمية ، بينما كان العلم وطوال الوقت ، خادمًا مخلصًا للأيدولوجيا المتمثّلة في الفلسفة النفعية والمادية ، وفي أبحاث الدماغ التي تلغي الإرادة الحرّة ، وفي عبادة المشاعر واعتبارها المحرّك الأساسي للإنسان ، و خادمًا مخلصًا للقوة ، ومراكز السلطة ، وعبدًا - كما هي الأشياء كلها - لرأس المال! 
هنا أكرر مع ويليام ديفيز قوله: 

"لا يمكن لعلم قام على دراسة الفئران البيضاء وامتزج بأدوات ذكيّة للتحديق في عيوننا وفحص أجسامنا أن يكون كافيًا لإدارة البشر داخل العمل ، أو حتّى لبيع المنتجات" 

(9)
التقنية كجحش للأيدولوجيا - الداتا بترول العصر الجديد

إن يكن العلم هو الحمار الذي تركبه الأيدولوجيا الرأسمالية ، فإن ابنه هو التقنية ، التقنية التي لولاها لما تمكّن أي علم من إحراز أي تقدم في أي هدف للسلطة أو رأس المال. 
في بدايات الهوس بدراسة المستهلكين والموظفين ، كانت الوكالة الإعلانية الأقوى في ذلك الوقت ، والمسئولة عن الترويج لسيارات جنرال موتورز هي JWT ، وقد كانت تجمع البيانات عن طريق "سؤال الناس" في استجوابات مقابل أموال أو منح أو شيء من هذا القبيل ، كان هذا في عصر ما قبل التقنية .. 

في عصر التقنية الذكية ، لم تعد الشركات بحاجة لسؤال الناس ، فعقولنا وأجسامنا ووجودنا النفسي والفيزيائي مراقب طوال الوقت من عمالقة التقنية الذين لا يمكن التحكّم فيهم ولا مسائلتهم ، فمن يملك حق مسائلة جوجل أو فيس بوك عن "امتلاكها" لبياناتنا جميعًا وبيعها للمعلنين طوال الوقت ، أو إعطائها للحكومات؟ 
عصر الـBig Data يحكم سيطرته الكاملة على المستهلكين ، وتخصص الشركات أغلب ميزانياتها في الـData Analysis ويُعد الـData Scientist هو الأعلى أجرًا في حقل التقنية! 

يستحيل أن نفهم قوة التقنية خارج سياقها الثقافي ، فكل الناس تعرف أنها بلا خصوصية على الإنترنت ، لكنها لا يمكن أن تترك الإنترنت ، وكل الناس تعرف أن الشركات الكبرى تسجّل معلوماتك ، لكنهم مع ذلك يستخدمون منتجاتها! 
لماذا؟ ، لأنه وباختصار تمّت "إعادة إنتاج الحياة اليومية" لتكون "مربوطة بالتقنية" ، فمن لا يستخدم التقنية لا يعتبره الناس "موجودًا" 
كما أنك لا تمتنع عن المشاركة عبر فيس بوك لأن السياق الثقافي سياق فرداني ، لا يمكنك الهرب من فكرة "التعبير عن الذات" هذه ، كما أن "البعد الاجتماعي" مدمّر ، وبالتالي أنت محتاج إلى "مجتمع افتراضي" طوالي الوقت! ، كما سبق وذكرت :"الإدمان مرض الرأسمالية الأكثر توحشًا" 
وبالمناسبة ، هذا السياق الثقافي ذاته هو الذي أنتج التقنية في ذات الأمر ، فالذين انتجوا التقنية لم يكونوا أشرارًا في الغالب ، كما العلماء ، كان هدفهم هو "زيادة الرفاهية الإنسانية" غالبًا ، ووجدوا أمامهم كنزًا من المعلومات يمكنهم من تحقيق هدفهم ، لكن لا يمكن فصل المؤسسات الاجتماعية عن "علاقات الإنتاج" ، فرأس المال قد استفاد وسيتسفيد ، لأنه في النهاية هو المنتج الأساسي للعلم والتقنية!. 

يبشّر العصر التقني بعالم خالٍ من العلم الإنساني غير الموضوعي والفلسفة ، فيما يطلق عليه ويليام ديفيز "اللاأدرية النظرية" ، والتي تقول أننا لا نحتاج أن ندري بدوافع الفرد لسلوكه فلا حاجة لعلم الاقتصاد ولا الاجتماع ولا النفس ولا غيرها ، فقط من خلال "علم البيانات" سنتمكن أخيرًا من ضبط الإنسان ضبطًا دقيقًا ، ومعرفة كل دوافعه. 
كما تبشّرنا أيضًا التقنية بعصر خال من "الحيرة" التي تسببها "حرية الإرادة" ، فلا مجال لها في ظل "المراقبة الشاملة" التي تضعنا فيها التقنية طوال الوقت ، والتي تعيد إنتاج نفسها بما يرسّخ وجودها ، سواء استفادت الحكومات من وجودها - وهو ما يحصل بلا شك - أو لم تستفد. 

التقنية التي تدخل اليوم في برامج الرعاية الصحية ، وقياس السعادة النفسية من خلال جهازك المحمول ، والتعرف على الوجه ، والصوت ، وبصمة الإصبع ، والتي تتواصل من خلالها مع الآخرين ، وتنشر من خلالها ، وتقرأ من خلالها ، وتستهلك من خلالها ، وتنتج من خلالها ، لم ، ولن ، ولا يمكن أن تكون "محايدة" أو "معزولة". 

(10) 
صناعة التعاسة

ماذا أنتج لنا النموذج الفردي الرأسمالي؟ 
لو ابتعدنا عن دراسة الفرد كوحدة للسلوك الإنساني ، وخرجنا لعالمنا ، لتناقضات المجتمع التي يراد تحميلها للأفراد طوال الوقت ، سنجد أن نظام العمل الحالي وتدرجه الهرمي يسبب الكثير من المتاعب النفسية والجسدية للموظفين ، وسنجد أن السياسات النيوليبرالية لم تتسبب في زيادة الغنى إلا لأولئك الأغنياء بالفعل ، أما الفقراء فقد جرّدتهم مما كانت الدولة تحميهم به! ، وسنجد أن النظام الفرداني ينتج وباء الإحباط الفردي ، ويسبب الأمراض النفسية والذهنية المستعصية ، والإدمان ، وأن الإنسان يعيش في عالمه خائفًا يترقب ، لا أمان مالي ، ولا أمان أسري ، ولا أمان اجتماعي ، وبالطبع فالدولة غير موجودة. 
سنجد أن سياسات التقشف تنتج الأمراض النفسية والاجتماعية وتؤدي لتفكك المجتمع. 
وسنجد أن الأمر لا علاقة له بكسل الموظفين ، فالمنظمات التطوعية تشهد نشاطًا غير ملاحظ في تلك المنظمات الربحية. 
سنجد أن القيم الرأسمالية من المنافسة والسعي نحو السلطة والنقود تسبب الاكتئاب والقلق ، وتفكك علاقات الإنسان وتجعله ينظر من منظور النفعية المادية وفقط! 
سنجد أن الحلول التي تقدمها الشركات لكل هذا هي : أن تزيد من مهاراتك أولًا ، وأن تستمر في التسوّق ، لينتج لنا في النهاية "تسوّق وسواسي قهري" و"إدمان الاستهلاك" كظواهر غير عادية وآخذة في الانتشار! 

هناك تجربة لعلاج الأشخاص من خلال الطبيعة ، والبعد عن النظام المادي ، في مزارع العلاج النفسي ، وهي عبارة عن مزرعة يعمل فيها طاقم بالكامل من المرضى النفسيين ، ولوحظ أنهم يتمّ علاجهم بشكل كامل من اضطراباتهم النفسية! 
باختصار لأن نمط الزراعة نمط ضد الرأسمالية وقيمها : هادئ غير متسرّع ، جماعي غير فرداني ، تشارك فيه قراراتك بشكل كامل مع الآخرين لأن مصلحتكم مشتركة ، لا أحد ينافس الآخر ، وأخيرًا أنت لا تشعر "بالاغتراب" الذي تنتجه الأعمال الرأسمالية ، أنت ترى "عملك" وتعرف "إنتاجك" وتعرف "فائدته" للآخرين من حولك .. 
وإن فشلت كأن فشل المحصول مثلًا : فلا خيار سوى أن تبتسم وتبدأ من جديد! 
في مقاله "الحاجة إلى طرق جديدة لمعالجة الاكتئاب" يشرح "يوهان هاري" كيف ان شخصًا كان في مرحلة متأخرة من الاكتئاب ، ولا يستجيب للعلاجات الدوائية ، تم إرساله إلى الريف ، ولوحظ بعد فترة إختفاء الاكتئاب من حياته بشكل كامل! 

كل هذا الكلام ، من العودة للنظم الجماعية ، والطبيعة ، والأمان الاجتماعي الذي توفره النظم غير الرأسمالية : غير غريب ويعرفه أغلب الناس وأثاره النقاد كثيرًا ، لماذًا إذًا لا يتم تطبيقه؟ 
باختصار : لأن هناك هيكل اقتصاد واجتماعي راسخ ، كوّنه تفاعل كل هذه المفاهيم ، وجاءت التكنولوجيا لتعززّه بشكل يصعب الفكاك منه لأصحاب المصالح ، فكلهم مستفيدون وأرباحهم تسير بشكل رائع! 
كما أن تغييرًا كهذا خطر سياسيًا لما يحمله من تمكين للناس لأمور معاشهم ، وهو ما يرفضه بقوة رأس المال ، الذي يعتمد في عبوديته على تملّك معاش الناس. 

لذا : نعود من حيث بدأنا : من الأفضل أن تكون بوذيًا تمارس طقوس التأمل لتعود بعدها منتجًا لطيفًا جاهزًا للعمل ، على أن تغيّر العالم! ، يا مُنتج ، يا مُبهج ، يا آخر حلاوة :) 

لقراءة الكتاب