Image title

الإلحاد!.. محاولة للفهم !؟

*********************

(محاولة للفهم لحالة الالحاد أو عدم الايمان بالصانع والنبوة والأديان على ضوء إشكالية المعاناة النفسية الشخصية للملحدين أو اشكالية وجود الشر في الدنيا، الشر الطبيعي كالأمراض والكوارث الطبيعية، أو الشر الاخلاقي كالظلم والاعتداء والحروب والاضطهاد!)( لماذا لم يمنع الله حدوث الشر وايقاف الاشرار وهو القادر على ذلك لو أراد!؟؟)

************************

الالحاد يقوم على فكرة أن الكون والحياة حدثت صدفة أي نتيجة عبث وخبط عشواء أو فوضى خلاقة خلقت هذا الكون الواسع المتسع بهذا النظام العتيد وخلقت الحياة بهذا النظام العجيب الفريد! ... حيث لا يوجد معنى للحياة والموت لدى الملاحدة إذ كيف يكون للفوضى الخلاقة القائمة على الصُدف والموافقات العشوائية أي معنى أو أية غاية مُسبقة!.. إنما هي الصدفة العمياء التي تضرب بطريقة الحظ وخبط العشواء!.. كأنك تلقي بمجسمات صغيرة للحروف العربية ملايين ملايين المرات لينتهي الأمر - وبطريقة الصدفة - انتظام الحروف على هيئة قصيدة طويلة ومعلقة من المعلقات الشعرية من العهد الجاهلي!... فالصدفة العمياء والفوضى الخلاقة العشواء هي من خلقت كل هذه الاشياء!.. هكذا يقولون ويعتقدون!، ولا معنى للموت والحياة ولا غاية بل الأمر كما قال القرآن عنهم: (( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّون))!!.... فالإلحاد موقف ظني قد يكون رجحه من أعماق اللاشعور عامل نفسي ساخط على الحياة وهذا الوجود!.. نقمة على المجتمع أو على رجال الدين المتعصبين والمنحرفين والمتعجرفين!.. ففي تقديري أن مشكلة الالحاد بالأساس مشكلة نفسية (شخصية) قبل أن تكون مشكلة منطقية وفلسفية!... فقد اطلعت على سيرة بعض الملحدين العرب - قديمًا مثل (ابن الراوندي) أو حديثًا (عبد الله القصيمي السعودي)(*) - ووجدت حجم المعاناة والمآسي التي مروا بها في طفولتهم ومراهقتهم!.. الفقر المدقع!.. اليتم والتشرد والبؤس .. التعرض للأذى والاضطهاد والاهمال من قبل أولياء أمورهم!... وهذا الموقف الشخصي والنفسي أو هذا الجرح الشعوري أو اللاشعوري الدامي العميق في نفوس هؤلاء البؤساء يدفعهم لمحاولة فهم (الشر) في الحياة وما موقف الله من هذا الشر؟!.. لماذا ترك الله (الشر) موجودًا وهو القادر على تحقيق العدل فورًا وازالة الشر جذريًا بل وهو القادر على أن يجعلنا نعيش في جنة فوق الارض بسلام!... لماذا لم يتدخل الله لينقذني من كل ذلك العذاب والأذى العميق والحرمان المهين الذي تعرضت له!؟؟ لماذا لم ينقذ أبي وأمي حينما اندلع الحريق والتهمهما أمام عيني وتركني يتيمًا متشردًا في الشوارع يستغلني الفجار في اشباع شهواتهم الشريرة المنحرفة وفي كسب المال!؟؟.... لماذا ترك الله الطاغية يشنق أخي أمامي ولم يتدخل !!؟.. أخي الطيب!.. أخي الوحيد!!.. هل يعجب الله كل هذا الذي يحصل من شرور وفجور وفساد في الارض!؟؟...... الخ الخ الخ... وهكذا أسئلة حائرة كثيرة مشحونة بالحنق والنقمة والغضب والاحتقان على هذا الوجود المؤلم والغامض!.. أسئلة مريرة غاضبة ناتجة في الاصل عن معاناة الألم والشر والظلم والعدوان والحرمان خصوصًا في الطفولة والمراهقة!... ويكبر هذا الصبي وهو يردد في غضب : لماذا لم ينقذني الله!؟؟. كان في امكانه أن يتدخل ليحميني!؟؟ لكنه لم يفعل وتركني أعاني ما أعاني!!؟؟ أي اله هذا وأي رحيم !؟؟... وهكذا تتسلسل الاسئلة المشحونة بالغضب على الله !!.. عدم الرضى عن الله!.. وطبعًا ما كل هذا الذي يحصل في عقل وقلب هذا الشخص الغاضب المتشكك في عدالة ورحمة الله ببعيد عن الشيطان!.. قرين السوء وعدو الانسان!... فهو سيظل يلعب على هذا الوتر ، يصب بوسوسته الزيت على نار الغضب عند هذا الانسان المحتقن والغاضب من الله!.. حتى يتحول هذا الغضب إلى كراهية لله بل وحقد عليه كما سمعت من بعضهم بنفسي!... وستلاحظ آثار هذا الغضب والحقد على وجوههم!... لينتهي الأمر إلى أحد نوعين من الالحاد :

(1) الأول لا ينكر وجود الله الخالق ولكنه ينكر رحمته وعدالته ويعتقد أنه خلقنا عبثًا وأنه لا يبالي بما يحدث لنا في الارض وبالتالي فهؤلاء الصنف من الملاحدة يحملون الله المسؤولية عن كل ما يجري من شرور كالفقر والامراض والحروب والزلازل والبراكين !!.. وهذا الالحاد مصحوب بعداء سافر لله إلى درجة الحقد!.. إلى درجة معها قد يقرر هذا الناقم على الله أن يعبد الشيطان نكاية في الله!!.. قد تستغربون هذه (الحالة الغريبة) لكن صدقوني أنها موجودة حتى هنا في الغرب ومنها عبدة الشيطان!.. فهؤلاء يعترفون بوجود الله ولكنهم ينحازون إلى عدوه وعدوهم الحقيقي ويتخذونها وليًا ومعبودًا من شدة نقمتهم على الله!!.

(2) أما النوع الثاني فإن الموقف النفسي الغاضب من الله ومن وجود الشرور ينتهي إلى انكار وجود الله أصلًا وفصلًا وبالتالي العمل على اثبات عدم الوجود بالمنطق العقلي الظني والفلسفي والجدلي كطريقة لمحو الله من التصور والتفكير! .. وربما يكون الغرض اللاشعوري هنا هو رغبة هذا الملحد الغاضب في التخلص من هذا الغضب والحقد الذي يعكر عليه صفو حياته إذ لو ظل يقول بوجود الله فهو سيظل يعاني من لحظات الغضب والحقد المتراكم في نفسه منذ طفولته بسبب معاناته الشخصية والنفسية أو فقره وفقدانه الأحبة أو تعرضه للأذى من الآخرين ... الخ.. فبإنكاره لوجود الله يصبح لا داع ولا مبرر للحقد والغضب لأن كل ما يحدث من شرور وكل ما تعرض له من مآسي إنما هو جزء من الفوضى العبثية والصدفة العمياء التي تحكم الكون والحياة!.. لذا لم الغضب والحقد!؟؟.. وهكذا بإنكار وجود الله يشعر الملحد الغاضب بالارتياح النفسي لأنه تخلى عن حقده وغضبه أو قد يوجه هذا الغضب والحقد المتراكم إلى أمور أخرى كأن يتبنى خطًا ثوريًا وفكريًا راديكالي يستهدف تقويض المجتمعات الحالية وهدمها من الأساس وبناء مجتمعات أخرى جديدة كما يحلم الشيوعيون والفوضويون!.. وقد يحول غضبه وحقده نحو ممارسة العنف الاجرامي ضد الآخرين بغرض ارواء الغليل!!.... وهكذا فإننا عندما ندرس ((الموقف الالحادي)) لا يمكن أن ندرسه على أساس أنه مشكلة فكرية فلسفية جدلية منطقية فقط!.. فلا بد من الالتفات إلى المشكلة النفسية والشخصية الناتجة عن معاناة الشر والألم سواء على المستوى الشخصي أو بالنسبة للبشر ككل!... والاعتقاد بالتالي أن ((الحياة غير عادلة)) وأن الله إذا كان موجودًا حقًا فهو غير عادل وغير رحيم وغير مهتم لما يجري في الأرض !... وكل هذه الظنون إنما نتيجة قصور في فهم حقيقة الحياة الدنيا وأنها مرحلة مؤقتة نحو حياة أخرى تتحقق فيها العدالة بشكل تام ... نحن نعيش في تجربة وجودية كبيرة وخطيرة، وأخطر ما فيها أن الله أعطانا فيها حرية الاختيار التام - في أعماق قلوبنا وعقولنا حيث لا سلطان لأحد عليها! - تجربة خطيرة يتم من خلالها فرز الناس إلى ثلاث أصناف:

(1) قوم آمنوا بوجود الله ووحدانيته وبذلوا مجهودات جبارة لضبط انفسهم وتهذيبها وترقيتها في مدراج الاخلاق وهم صالحون للعيش والاقامة في الجنة بإمتياز .

(2) وقوم كفروا بالله فأنكروا وجوده أو عدالته ورحمته وحكمته بل وعملوا على محاربة أنبيائه وكتبه واسرفوا في الظلم والفساد والاستغراق في الاستمتاع بالشهوات فهؤلاء صالحون للعيش والاقامة في جهنم بإمتياز!.

(3) وقوم اختلطت فيهم أمور الكفر بالإيمان وراودتهم الشكوك والاسئلة الحائرة التي لم يجدوا لها إجابات شافية إما لغياب كتاب الله في زمانهم ومكانهم أو لوجود الكتاب مع قصورهم عن الفهم وربما نتيجة شروحات وتفسيرات رجال الدين القاصرة والمشوهة لحقيقة رسالة الله!.. كما أن أمور الصلاح في نفوسهم اختلطت بالفساد، والخير بالشر، والحسنات بالسيئات!!.. فهؤلاء (الحائرين والمقصرين والمذنبين) أمرهم لله هو أعلم بما في قلوبهم من صدق واخلاص في طلب الحق والحقيقة والعدل!.. فإن شاء عذبهم وعقابهم ثم عفا عنهم وأدخلهم الجنة أو عفا عنهم بلا عقاب وطهرهم وأدخلهم للجنة أو إذا شاء أخلدهم في النار بسبب الموبقات والمظالم التي ارتكبوها في الحياة الدنيا!!.

فلو فهمنا أن الحياة الدنيا بهذا الشكل أي على أنها تجربة وجودية (فردية) كبيرة وخطيرة ومصيرية يختار فيها الانسان مصيره منذ الآن ويحدد الصورة النهائية التي يريد أن يتطور ويرتقي إليها أخلاقيًا ، ويختار (العالم) الذي يريد أن ينتمي إليه إلى الأبد في الحياة الآخرة! .. هل هو عالم الأبرار، عالم الجمال التام والنعيم الابدي واللذات الخالدة التي لا تفنى؟ أم عالم الأشرار والفجار وعالم القبح التام والجحيم الأبدي والآلام التي ما إن تنتهي وتهدأ حتى تعود فتستعر من جديد!؟ ... فالانسان هو من يختار طريقه ومصيره منذ الآن .. فالحياة الدنيا تجربة.. تجربة مصيرية خطيرة يختار فيها كل انسان بعد أن اكتملت عملية تطوره الجثماني والذهني خلال ألوف السنين لهذه الصورة الآدمية الحالية الصورة الوجودية الروحية الاخلاقية النهائية التي يريد أن يصير إليها ويتشكل فيها!... فأهل الجنة يختلفون تمام الاختلاف عن أهل النار في تكوينهم الجسماني والروحاني!.. لن يكونوا سواء!.. فهم من عالمين مختلفين منفصلين!.

وأما بخصوص مشكلة هذه الآلام والشرور والأحزان والمصائب التي تعتري الافراد والمجتمعات أو البشرية ككل في بعض الأوقات والحالات فهي جزء لا يتجزأ من هذه التجربة وهذا الاختبار وهذا المصنع الذي من خلاله تتشكل خامة ومعدن كل منا على الصورة والهيئة النهائية التي يريد أن يكون عليها أبد الآبدين!... ثم أن الله لم يخدعنا ولم يقل لنا أن حياتنا الدنيا على الأرض مفروشة بالورود وتجري فيها أنهار من الخمر والعسل واللبن!.. بل منذ البداية واجهنا بالحقيقة المرة فقال بلا لف ولا دوران: (إنا خلقنا الانسان في كبد!!) أي في معاناة ومكابدة لكل أنواع التجارب والفتن والآلام والمخاوف والأحزان!.. فالطفل منذ نشوئه وتطوره في بطن أمه خلقًا من بعد خلق، من حيوان منوي وكائن طفيلي لا يكاد يُرى بالعين المجردة وصولًا للقالب المعتمد لشكل وهيئة الانسان على الارض والمناسب لهذه الحياة الدنيا ولهذه التجربة، منذ هذا النشوء ثم التطور الجنيني وهو يكابد ويكافح من أجل البقاء والارتقاء والوصول للصورة الآدمية المنشودة باكتمال الطفل في شهره التاسع واستعداده للخروج لحلبة الصراع!... الله لم يمنينا بالدنيا ويصورها لنا كما لو أنها جنة أو نزهة في حدائق ذات أفنان واشجار اعناب ورمان بل قال لنا وبشكل واضح وصريح: (ونبلوكم بالخير والشر فتنة أتصبرون!؟) وقال: (يا أيها الانسان إنك كادحًا إلى ربك كدحًا فملاقيه) فالحياة كدح مستمر لأنها تجربة يتشكل فيها كل انسان نفسيًا وروحيًا واخلاقيًا على الصورة التي ستلازمه إلى الأبد!! ... إما أن يغدو كائنًا طيبًا أو كائنًا خبيثًا أو كائنًا اختلط فيه هذا بذاك وظل يتخبط حتى يلاقي ربه فيفصل في أمره!.... وهكذا نجد الكثير من الآيات التي توضح لنا منذ البداية أننا في تجربة وجودية فردية!... فكل ما ومن حولك من أحباء واعداء ولذات وآلام إنما هي اختبار لزوم الاختيار!!.. وجودنا هنا مؤقت ومرحلي كحال الدودة التي تنتهي حياتها الدودية الأولى بالسبات في شرنقتها وتابوتها لتصبح بعد ذلك إما فراشة ملونة جميلة تعيش بين ريحان الزهور وتقتات على رحيق الورود، أو ذبابة قبيحة لا يطيب لها العيش إلا على القاذورات والفضلات وبقايا الجثث والقيح والصديد!.... هذه الدنيا دار اختبار واختيار، وعمرها بالقياس إلى عمر الكون لا تساوي حتى طرفة عين بل والله عمرك أقل من هذا بكثير جدًا!.. أقل من جزء من الثانية بالقياس لعمر هذا الكون!!.. أما الحياة الآخرة فهي وجود أبدي بلا نهاية!!.. فالزمان انتهى !!.. هو جزء من نظام الدنيا والدنيا انتهت!!... سنصبح في حياتنا الأخرى والأخيرة خالدين بدون زمن ، وبدون موت! ... لكن مصيرنا هناك سيكون مختلفًا من فرد لفرد حسب موقفنا هنا وحسب خياراتنا وما بذلناه في الدنيا من جهود صادقة لإصلاح انفسنا ومحاولة اصلاح مجتمعاتنا ونشر الخير والعدل والجمال ... فهناك في الآخرة عالمان خالدان مفصولان، أحدهما نعيم أبدي كريم والآخر جحيم أبدي مهين!.. جحيم رهيب حياة الجرذان في أنفاق مجاري الصرف الصحي والديدان التي تقتات على جيفة والسحالي والخفافيش العمياء التي تعيش وتموت وسط ظلام الكهوف خير من حياة ذاك الجحيم بمليار مرة !!... الأمر في الفرز يتوقف على موقفنا العقلي والاخلاقي والنفسي والعملي هنا .. الآن.. فنحن في أعماقنا الوجدانية حيث مقر (الآنا) أحرارٌ جدًا، ونتمتع بحرية واسعة جدًا في التفكير والقرار والاختيار والشعور بالحب أو البغض، الرضى والقبول أو الامتعاض والرفض!.. لا سلطان لأحد على قلوبنا إلا لله وحده.. والله اعطانا حرية الاختيار.. ولكن حريتنا الخارجية العملية على ارض الواقع المادي والاجتماعي ستكون نسبية ومحدودة!.. فهي مقيدة بقدراتنا العملية وقوتنا العضلية والمالية ومقيدة بقوة الآخرين التي يمكن أن تحد من حريتنا العملية أو تصادرها بقوة السلطان!.. بينما حريتنا الباطنية الداخلية الوجدانية والذهنية فهي كبيرة جدًا بل مطلقة لذلك فهي مناط اتخاذ الموقف الوجودي من كل ما يجري في الحياة!.. موقفنا من الخير والشر.. موقفنا من الايمان بوجود الله وعدالته ورحمته وحكمته أم عدم ايماننا به!... موقفنا من العدل والظلم الاجتماعي أو ما يقابلنا من قضايا ومشكلات على المستوى الشخصي مع أزواجنا وأولادنا واقربائنا وجيراننا وزبائننا ...الخ!.. موقفنا من الفضيلة والرذيلة!.. موقفنا من حقوق وكرامة الأنسان كإنسان وموقفنا من حقوق الحيوان، وموقفنا من حقوق الله علينا كخالق ومنعم أوجدنا ولم نكن من قبل ايجاده لنا شيئًا مذكورا !.. بل لم نكن أي شيء البتة أصلًا .. خلقنا من عدم!.. بل ربما لم يخلقنا على هذه الشاكلة الحالية منذ البداية فقد نكون بالفعل مررنا بمراحل من الخلق من بعده خلق!.. وتطورنا كما يتطور الجنين في بطن أمه، ونحن هذه الارض هي بطننا، ربما يكون تعالى بحكمته وخطته جعلنا نتطور جسميًا من كائنات بسيطة عجماء دنيا إلى كائنات عليا أرقى وأذكى شديدة التعقيد وقابلة للترقي العقلي والفكري والحضاري والترقي الاخلاقي وللتخلق بأخلاق الله المثلى بل ونمو قدرتنا على الخلق والابداع والاختراع وعمارة الارض والسيطرة عليها!.... ما لم نفهم الحياة الدنيا بهذه الطريقة وأنها مجرد اختبار للاختيار واتخاذ القرار .. اختيار المصير الابدي والنهائي للصورة التي نريد أن نكون عليها إلى الأبد!.. اختيار الصفة النهائية لهذا الكائن غير المحدد الصفة والمصير والهوية الأخلاقية الذي تختلط فيه عوامل الشر بعوامل الخير، والتقوى بالفجور، والقدرة على الارتكاس إلى أسفل السافلين مع الشياطن أو أدنى.. أو الارتقاء والسمو الاخلاقي إلى مستوى الملائكة الطاهرين أو ربما أعلى إلى درجة العليين!.. المقربين من الله كامل الطيبة والجمال والسلام .... اليوم نختار مصيرنا ... والوقت يمضي ويضيع وهو محسوب علينا وما ضاع ضاع ولكن أبواب التوبة ستظل مفتوحة أمامنا كبشر حتى يوم القيامة والحساب!، وتظل أمامنا كأفراد مفتوحة على مصرعيها حتى تحين لحظة سكرة الموت على حين غرة - في لحظة من لحظات القدر الرهيبة - فنرى في تلك اللحظة ونحن نغادر هذه (الاجسام الارضية) الفانية ما لم نكن نراه من قبل!.. نرى الحقيقة الوجودية رأي العين، حقيقة وجودنا هنا على الأرض، التي ربما علمناها بعقولنا وقلوبنا علم اليقين! ... الله أعظم وأجل من كل ظنوننا وتصوراتنا وفهمنا، وحكمته أكبر من أن نستوعبها بعقولنا المحدودة والنسبية وعدالته التامة ستتحقق يوم القيامة ولا مفر!!... وليس هناك ثمة فرصة ثانية أو دور ثان!.. لا .. إنها فرصة وحيدة وفريدة ومحدودة جدًا، فإما أن تنجح في هذا الاختبار فتصعد وتسعد وتعيش في حياة راقية تلائم مجاهدتك لنفسك في الدنيا ورقيك في سلم الايمان والاخلاق الطيبة، أو تُهمل واجباتك ولا تبالي بها وتعكف على اللذات ومطاردة الأوهام فترسب وتسقط في الهاوية حيث حياة أبدية هابطة ورهيبة ومظلمة كحياة السحالي العمياء في الكهوف أو حياة الذباب!.. حياة بائسة تلائم نفس كل منا والتي قد تشكلت في الدنيا واستقرت على صورة قبيحة منحطة لا تلائم حياة الجنة والاطهار!.. أو تحاول جهدك أن تنجح فتعجز، فتحاول صعود الجبل ضد الجاذبية الارضية فما تلبث كل مرة وفي كل محاولة أن تهوي وتسقط في مستنقع الطين مرات ومرات!،، ولكنك لا تيأس ولا تكف عن المحاولات، فيتغمدك الله برحمته وفضله ويجزيك خير الجزاء على تلك المحاولات الباسلة و(الفاشلة) للارتقاء في سلم الايمان والاخلاق ويسمو بك برحمته إلى عالم الابرار لأنك حاولت وحاولت بكل صدق واخلاص ولكنك فشلت!....... هكذا هي المسألة في اعتقادي ... وهذه هي نظرتي لكل هذا الوجود الغريب وهذا العالم الرهيب!.

*************************

سليم نصر الرقعي 2018

(*) من أمثال الملحدين في تاريخنا الاسلامي قديمًا (ابن الراوندي)(فارسي/شيعي) وحديثًا (عبد الله القصيمي)(عربي/سني سلفي) والرجلان متشابهان في أمرين: الأول: أن كلاهما عاش طفولة بائسة مشردة وعانى من الفقر المدقع وشظف الحياة .. والثاني: انهما انقلبا من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار!.. أي من مدافع محافظ على تعاليم الدين إلى ملحد إما منكر لوجود الله أصلًا أو منكر لصحة الأديان والنبوات جميعًا بما فيها الاسلام ونبوة النبي محمد!