" الصرخة الأولى دائماً ما تكون هي صافرة البدء"


نظر إلى جواره فلم يجد الرجل المسن، مسح المكان حوله بنظرة متفحصة ثم استقر على وجهه، نادى عليه بصوت جهور ولكنه لم يعره أي إنتباه، ظل يتبعه بنظرات دهشة وذهول حتى غاب عن الأنظار تماماً، أغلق الورقة بعد أن استجاب لتلك الموجة الباردة من الهواء التي اجتاحت كل ذرة في جسده النحيل عقب إنتهاءه من قراءة تلك الكلمات الغريبة، هدأ قليلاً ثم بدأ الفضول يتسلل شيئاً فشيئاً إلى نفسه، شعر بالخضوع التام لقراءة تلك الرسائل وكأنها قد بنيت مستعمرات في قلبه ووجدانه .. أزال الحبل الذي كان يربط الرسائل ببعضها البعض، أمسك بالرسالة الأولى فوجد مكتوب عليها ...

" الناجي الأول ".

فتح الرسالة فوجد بداخلها ورقتان ملتصقتان ببعضهما بترتيب منتظم فما كان عليه سوى أن يبدأ بالقراءة.

الورقة الأولى :-

" تأخرت عليّ يا صديقي، كنت أنتظرك كثيراً، كنت تراني دائماً في أحلامك ولا تتذكر عندما تستيقظ، أكنت تسيتقظ فعلاً، أم تصحو من حلم لا تذكره لتلج في حلم آخر لا تدركه، لكني جئتك اليوم لأخبرك عني ربنا تدرك حينها من تكون، فالحب كما أخبرتني سكين ذو شفرتين، إحداهما قد تنغمس عميقاً في صدرك فترديك قتيلاً، لكن الأخرى قد تنغمس عميقاً في قلبك فتمزق قيودك وتحررك، وأنت حبك قد قيدك طويلاً، إلا أنه في النهاية حررك ".


الورقة الثانية :-

" يدعونني ناجي وما أنا بناجٍ .. أنا الإبن الرابع وبرغم ذلك كنت الأكبر سناً، حملتني أمي في رحمها بعد ثلاث مرات من الفشل والإجهاض، حتى لقبها الكثير  من نساء العائلة بالشؤم .. قبل يوم الرابع من أكتوبر عام ١٩٨٢ بتسعة أشهر، أخبر الطبيب أمي بأنها تحملني بداخلها، تباينت ردود الأفعال حينها، توقع الجميع موتي أيضاً وبدا أبي غير مكترثٍ للأمر حتى لا يجعل أمي تشعر بحزنه إذا حدث الإجهاض، أما أمي فقد قضت على الخوف الذي بداخلها ولم تُبقي بداخلها شيئٌ سواي، حملتني تسعة أشهر تحملت فيهن ما بين آلام الحمل وآلام الحديث عن موت إخوتي والتنبؤ بأني سألحق بهم، كفر الجميع بنجاتي إلا أمي آمنت وحدها بي، فجئت مطلقاً صرختي ليسمعها الجميع وأخبرهم بأنني ناجٍ، ولكني أدركت فيما بعد أن تلك الصرخة لم تكن لنجاتي، بل لأمي التي لفظت جسدي من جسدها ورحلت عن الدنيا.

كانت طفولتي عادية، كنت طفل هادئ جداً وغير إجتماعي، وفي نفس الوقت كنت أركض نحو الباب مسرعاً عندما يزورنا أحد حتى أكون أول من يستقبلهم، كنت أفضل اللعب بالصلصال عن الألعاب الأخرى، وكنت أحب الرسم بالألوان، كانت رسمتي المفضلة هي شجرة كبيرة وشمسٌ صفراء، أقف تحت الشجرة ممسكاً بيدي اليمنى أبي واليد الأخرى بأمي، وأمامنا كانت تقف شادية بشعرها الطويل الناعم مبتسمةً لي، لا أدري ما كنت لأفعل دون " شادية "، لن أحدثك عنها الآن فسيأتي دورها فيما بعد.

كان أبي يعمل غفيراً لمزلقان السكة الحديد، يجلس على مدار ٢٤ ساعة يقظاً داخل حجرة بائسة تخلو غالباً من الإحتياجات الضرورية، عينٌ على شريط السكة الحديد الممتد على طول بصره، وآخرى على السيارات العابرة للمزلقان، مخافةً أن يداهمه قطار فلا يستطيع التحكم في تدفق المارة خلاله، أما أذنه فترنوا لسماع جرس التنبيه. كان يبدأ عمله في السادسة صباحاً حتى فجر اليوم التالي، ويظل ٢٤ ساعة يقظاً، ويحصل مقابلها على إجازة لـ٤٨ ساعة و ٩٠٠ جنيهاً راتباً شهرياً، لم يكن والدي بحاجة إلى المال فالأراضي الزراعية التي تركها له جدي كانت تكفيه، ولكنه تركها لخالي يديرها، فهو يرى دائماً أن الذي يدير شيئاً عليه أن يتأخذ في بعض الأحيان قرارات صعبة قد تجعل شخصاً ما يكرهه حتى لو كان يستحق ذلك، ولم يكن أبي يستطيع أن يفعل ذلك.

عندما كان يذهب أبي إلى عمله كان يتركني في بيت خالي أبيت عنده في ذلك اليوم، كان أبي ككل الآباء يخشون على أبنائهم من أن يصيبهم مكروه في غيابهم، كان يخبرني أن الغول يتربص بي في غيابه وبيت الخال هو ملاذي الآمن في ذلك الوقت فلا يجب أن أغادره أبداً حتى يأتي في الصباح ويأخذني فيراني الغول معه ويهرب .. أتذكر ليلة الغول يا صديقي ! ربما قد آن الأوان لأخبرك عن شادية ".

انتهت الرسالة الأولى

يتبع ..