تآكل مجانية التعليم في مصر!..

بقلم محمود سلامه الهايشه

كاتب وباحث وأديب مصري

[email protected]

Image title
الاستثمار في التعليم .. التحول الخدمة التعليمية لسلعة!!


      التعليم هو الوسيلة الوحيدة التي ترتفع بها مكانة الإنسان إلى مراتب الكرامة والشرف.

والتعليم هو أهم الأسلحة والذخائر التي تستخدمها الشعوب على مر العصور والحضارات لتنمية الذات ومواجهة الآخر.

نتحدث هنا عن ملف التعليم في مصر، وبالتحديد عن مجانِيَّة التعليم، والحديث عنها مليء بالقِصص والحكايات، فالتاريخ فيه كل شيء؛ حيث ظل التعليم في مصر غير مجانِيٍّ، وبمصروفات حتى عام 1950م إلى أن أتى الدكتور/ طه حسين - وزير المعارف آنذاك - وعمل على أن يكون التعليم الأساسي ما قبل الجامعي مجانيًّا، بينما التعليم في الجامعات ظل بمصروفات، استمر الوضع هكذا حتى جاء دستور عام 1964م، وعدَّل المادة الخاصة بمجانية التعليم، وأصبح التعليم بجميع مراحله، الجامعية وما قبلها، مجانيًّا؛ أي: لم يُصبح التعليم الجامعي مجانيًّا إلا بعد 12 عامًا من قيام ثورة يوليو عام 1952م، وتحويل مصر من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، وخروج المستعمِر الإنجليزي من مصر، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا حدث الآن في المجانية؟!

بشكل مباشر بدأت المجانية تتآكل، وذلك بإنشاء المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة والأهلية، وهذا ليس عيبًا؛ فالحكومة لا تستطيع سد الفجوة بين ما هو متاح فعلاً من مؤسسات تعليمية حكومية، وبين الزيادة الرهيبة في أعداد السُّكان، فمثلاً كان عدد سُكان مصر عام 1990م حوالي 50 مليونَ نسمةٍ، واليوم ونحن في عام 2013، قد تخطى العدد 90 مليونًا؛ مما يعني زيادة أكثر من 40 مليونًا في ثلاث وعشرين سنة فقط، فمشكلة تلك المؤسسات التعليمية الخاصة أن الكثير منها يُقام لهدف واحد فقط، هو الربح، دون النظر إلى جودة ما يقدَّم من خدمة تعليمية، وهنا لا نعمم الأمر، أو نقول: إن هذا موجود في 100% من تلك المؤسسات الخاصة، فمنها ما يقدم عملية تعليمية متميزة، إن لم تكن تساوي ما يقدم من تعليم في خارج مصر، بل في بعض الأحيان تتخطاه.

فعندما ظهرت تلك المؤسسات التعليمية الخاصة في سوق الخدمات التعليمية، كأحد أنواع المشاريع الاستثمارية في مصر، كان من يُرسِل أبناءه إليها يكون دليلاً على ضعف مستوى التحصيل الدراسي والعلمي عند هؤلاء الأبناء، فكان غرض أولياء الأمور هو أن يحصل أبناؤهم على شهاداتهم الدراسية بسهولة ويسر، ما دام ولي الأمر يدفع ثمن تلك الشهادة؛ حيث كان الاعتقاد السائد حينها أن تلك المؤسسات الخاصة أضعف في المستوى العلمي من المؤسسات الحكومية المجانية، ومع مرور السنين نضجت التجربة، وانقلبت الأوضاع رأسًا على عَقِب، من النقيض إلى النقيض، فقد تراجع التعليم الرسمي الحكومي، وأصبح في حالة يُرثى لها، وتغيرت المفاهيم لدى الناس، فمن يريد أن يُعلم أبناءه بشكل جيد، ويستثمر فيهم أمواله ووقته، فعليه أن يُلحِقَهم بالمدارس الخاصة، وكلما ذهبوا إلى مؤسسات ذات مصروفات مرتفعة ومُكْلفة، زادت جودة ما يُقدَّم من خِدْمات وتقنيات تعليمية.

وبالطبع مع زيادة أعداد الطلاب الحاصلين على الثانوية العامة وما يعادلها من دبلومات فنية، فلم تَعُد الجامعات المصرية الحكومية تستوعب مثل هذه الأعداد الرهيبة، ويتوقع خبراء التعليم في مصر أنه في خلال العشر السنوات القادمة، سوف تزيد أعداد الجامعات الخاصة بشكل كبير جدًّا، ويُصبِح الملتحقون بالتعليم الجامعي الخاص ما يقرب من 75% من الراغبين في مواصلة تعليمهم العالي، والباقي في الجامعات الحكومية الموجودة حاليًّا، وتتوقف الدولة عن إنشاء جامعات جديدة تتبعها، ويصبح دور الجامعات الحكومية هو إعداد أجيال جديدة ممن يحملون درجتي الماجستير والدكتوراه، والإشراف على ما تُقدِّمه الجامعات الخاصة من خِدْمات تعليمية. وفي الوقت الحاضر رُفعت المجانية بشكل شِبْه كامل من جميع مراحل التعليم ما بعد الجامعي، أقصد مرحلة الدراسات العليا من دبلومات دراسات عليا، وماجستير ودكتوراه!

مما سبق يمكن القول: إن مجانية التعليم تتآكل من أسفل ومن أعلى، والعصر القادم هو عصر مَنْ يريد أن يُعلِّم أبناءه فعليه أن يمتلك ثمن هذا التعليم، أو يُعلِّمهم تعليمًا رديئًا، فالاستثمار القادم هو الاستثمار في التعليم، فمن يتعلمْ جيدًا فسوف تكون له فرص جيدة في الحصول على عمل جيد، فالتعليم الخاص يعمل الآن على احتياجات أسواق العمل ومتطلباتها؛ حيث تقوم تلك المؤسسات التعليمية الخاصة بتغيير لوائحها وسياستها بشكل سريع ومتواصل، وذلك على حسب المتغيرات الحياتية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، بينما تظل تلك اللوائح والقوانين المنظِّمة للجامعات الحكومية، وما يَتْبَعُها من كليات ومعاهد، ومراكز بحثية، مجمَّدةً تحتاج إلى عشرات السنين؛ حتى تقوم بتغيير، أو تعديل، أو حذف أو إضافة مادة أو مقرر دراسي واحد، وذلك بعد تقديم المقترَح، ودراسة المقترَح، وإنشاء لجنة لدراسة ما يجب فعله، ثم إرسال الأمر لكل الكليات والأقسام العلمية، التي يخصها هذا الأمر على مستوى الجامعات التابعة للمجلس الأعلى للجامعات، ثم الرجوع بالأمر لهذا المجلس لإصدار قرار، وبعد صدور القرار تُقرِّر كل جامعة أو كل كلية بأن تقوم بتطبيق هذا الأمر في نفس العام الدراسي، أو تأجيله للعام الدراسي المقبل، هكذا في سلسلة غير منتهية من البيروقراطية، التي لا تتناسب مع روح العصر، وطبيعة العلم، في زمن أصبحت فيه العلوم تتضاعف ما بين 24-72 ساعة، على حسب طبيعة هذا العلم أو ذاك، بعدما كان يستغرق هذا التضاعف ما بين خمسين أو سبعين أو مائة عام.

فمتى يصبح العلم والتعليم والتعلُّم مرتكِزًا على الطالب، يعمل على استخدام المستويات العليا من التفكير "الفهم، والتحليل، والتركيب" والبُعد عن المستويات الدنيا من التفكير "الحفظ، والاستذكار، والاسترجاع"؟! وذلك لإنتاج أجيال مبدعة مبتكِرة، والبعد عن وأْد مقَوِّمات الإبداع، وذلك بتنمية استراتيجيات النقد والتحليل وحل المشكلات.