الحوار المتمدن

دفاعا عن السوفسطائيين([1])
الطيب بوعزة
2017 / 7 / 21



 
             " قبيلة السوفسطائيين ليس من السهل الإمساك بها أو معرفتها.  

" 
الغريب الإيلي مخاطبا ثياتيتوس في محاورة "السوفسطائي"


-1-
 


من أي معبر ينبغي أن ندلف إلى "اللوغوس" السوفسطائي؟
هل ينبغي فهمه في حدود دلالة الـ"لوغوس" على "الكلام"([2])؛ ومن ثمَّ إدراج السفسطة في مقام الخطابة([3]) لا في مقام التفلسف؛ فيصير السوفسطائي بذلك "متكلمًا"([4]) لا "فيلسوفًا"؟!
أم يجب فهم اللوغوس السوفسطائي بما هو منطق في النظر، وموقف من علاقة المعرفة بالوجود؟
معبران منهجيان مختلفان...
تؤول نتيجة الأول إلى محل الاختزال الذي قُرِئ به الفكر السوفسطائي في التأويل التقليدي الذي هيمن على تاريخ الفلسفة. لكن  المفارقة أنَّ ما عَدَّهُ ذلك التأويل التقليدي تعلةً لنفي السفسطة من مجال التفلسف، جاء الانقلاب اللساني المعاصر فكان سببًا للتمهيد لبلورة موقف نقيض، يدفع نحو نسبة السوفسطائيين إلى التفلسف من مدخل اللوغوس بصفته تلك، أي كدالٍ على الخطابة([5])؛ أي من المعبر ذاته الذي اتخذ من قبل مخرجًا لإبعاد السفسطة من حقل التفلسف، تم إدخالها إليه! حيث صار وفقًا لأنموذج/براديغم اللغة بفعل ذلك الانقلاب ذا مقام آخر، سمح بإعادة النظر في الممارسة الخطابية على نحو مغاير، بل حتى في الدراسات المنطقية([6]) صارت تلك الممارسة من سنخ الممارسات الحجاجية. 
لكن إدخال السوفسطائية إلى حقل الفلسفة، نرى له معبرًا آخر، وهو النظر إلى اللوغوس السوفسطائي بتأويله كتعبير عن عقل عملي([7]) يتنزل منزلة المناقدة مع العقلين الأنطولوجي الإيلي والكوسمولوجي الأيوني. وبذلك فإنَّ مشروعنا في هذا الكتاب  هو تجديد النظر إلى السوفسطائية بوصفها نبتةً من داخل حقل التفلسف الإغريقي، يتحقق الاقتراب من فهمها بموضعتها في سياق مآلات الفكر الأيوني في النصف الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد، عندما انتهى إلى حالة من العقم، عَبَّرْنَا عنها - في  كتابنا السابق([8]) - بلفظ "الأفول". حيث أشرنا إلى أنَّ اللحظة الفكرية التي زامنت هذا الأفول كشفت عن أنَّ المحاولات الأخيرة لاستدعاء نمط النظر الأيوني دلَّت على وجود عطالة في القدرة الإبداعية للفلسفة الأيونية، تَبَدَّتْ في "توقف إمكانها النظري عن توليد الجديد، وكأنَّه استنفد كل الاحتمالات المعرفية لتجريبه؛ فلم يجد النُظَّار المشتغلون في سياق الفكر الأيوني مندوحة من إجراء فعل التبعية والتقليد بالانتقاء والتوفيق، كما هو الحال مع ديوجين الأبولوني، أو تكرار الفكر الأيوني ذاته بانتقاء أطروحة من أطاريحه كما هو الحال مع أرخيلاوس الأثيني، ثم خاصة مع هيبو وإيدايوس اللذين كانا صريحين في نهج التقليد"([9]).
وقد أكَّدنا أنَّ الانتهاء إلى هذا التقليد دليل على أنَّ الإمكان النظري للتفلسف الأيوني فقد قدرته على الإبداع، بعد كثرة تجريب ذلك الإمكان في مختلف المسارات المحتملة.
ولم تكن الأطروحة البديلة للتفلسف الأيوني، أي الفلسفة الإيلية، قادرةً على حل المشكلة؛ بل هي باختلافها الجذري مع الفكر الأيوني، ساهمت في تأسيس إشكال مؤرق للعقل الإغريقي أشعره بإمكان الشك في تلك الأطاريح الفكرية جميعها؛ لأنها بدت له جد متنابذة ومتضاربة من حيث الأجوبة التي قدمتها. وهذا ما مهَّد لظهور زمن فلسفي جديد يستثقل الاستمرار في الانشغال ببحث موضوع اللوغوس الفلسفي الأيوني والإيلي، ويدعو إلى الارتحال عنه إلى موضوع جديد هو الإنسان، بعد إدراك استعصاء المسألة الكوسمولوجية والماورائية على الحسم بالإمكان المعرفي البشري، الذي صار وقتئذ محل ملحوظات نقدية "إبستيمولوجية". وهو الإدراك الذي سيؤدي، في بداية القرن الرابع قبل الميلاد، إلى حدس فكرة جديدة هي أنَّ الممكن البشري هو محبة الحكمة لا حيازتها.
كما بيَّنَّا أيضًا أنَّ ثمة سببًا آخر يفسر استنزال التفلسف إلى بحث المسألة الإنسانية، وأعني به تلك التحولات التي شهدها نمط الاجتماع الإغريقي. حيث "لا ينبغي أن نرجع توقف الدفق الإبداعي للإمكان النظري للفكر الأيوني إلى مجرد كثرة استعماله وتقليب النظر في مختلف احتمالاته المعرفية؛ بل الحقيقة أنَّ اللحظة التاريخية التي توقف فيها"([10]) أي النصف الأخير من القرن الخامس (ق م)، أعلنت أنَّ نمط التفلسف الأيوني استوفى أسباب وجوده واستمراره، وآن الأوان للانتقال إلى إمكان نظري جديد. وإذا استرجعنا محتويات تلك اللحظة التاريخية، سنلاحظ أنَّه بالتزامن مع أواخر الفلاسفة الذين أصروا على انتهاج اللوغوس الأيوني، فلم يثمروا سوى تقليده، ظهر عديد من المفكرين لم يروا حاجة إلى التفكير في الكوسموس، على الطريقة الأيونية، ولا التفكير في الـ"إيون" على الطريقة الأنطولوجية الإيلية؛ بل استشعروا الحاجة إلى الانتقال إلى التفكير في الإنسان([11]). ففتحوا الطريق نحو نظر فلسفي جديد، هو النظر العملي الموصول بحاجات الواقع. ووعيهم بتلك الحاجات جعلهم يبتدعون تعليمًا جديدًا، حتى اكتست دلالة لفظ "الحكيم" (سوفوس) معهم معنى "المعلم"([12]). 
 
وكانت حاجة اللحظة التاريخية ماسَّة إلى تعلم الجدل والإقناع الخطابي. حيث صار النجاح في السياسة والقضاء، بعد انتقال الاجتماع اليوناني إلى الانتظام بالديموقراطية، مرهونًا بالاقتدار على الإقناع؛ فأمسى علم الجدل الخطابي هو العلم الأكثر جاذبية، وليس علم السماء. 
لكن من الخطأ الظن بأنَّ علم الخطابة الجدلية([13]) كان محصورًا في تعلم كيفية الخطاب البليغ، بل إنَّ النظر في المنهاج الدراسي الذي كان يمارسه السوفسطائيون يبيِّن أنَّ محتواه أوسع بكثير من مهارة خطابية، بل ثمة محتوى معرفي متنوع. غير أنَّ ذلك المحتوى لم يكن الاستغراق في دراسة محصول الفلسفة اليونانية في تفسيرها للوجود، بل دراسة السياسة والقانون والأخلاق واللغة.
وفي الاهتمام باللغة والأخلاق كان من بين هؤلاء السوفسطائيين شخص اسمه سقراط([14]) تتلمذ على أرخيلاوس - أحد أواخر الفلاسفة الأيونيين -  كما تتلمذ على أحد أهم السوفسطائيين المهتمين بفكرة الحد، أعني بروديقوس، الذي كان تأثيره فيه أكبر من تأثير أرخيلاوس. ولنباهته لم ينزلق سقراط في تكرار نمط التفلسف الأيوني، بل وعى احتياج لحظته التاريخية؛ فانتهج مسار أستاذه بروديقوس([15])، مركزًا انشغاله على فلسفة المفهوم. وإذا راجعنا طبيعة المفاهيم التي اهتم بها سنلاحظ أنها تؤول كلها إلى المسألة الإنسانية، مما يفيد انفصاله عن حقل تخصص أرخيلاوس. يقول ديوجين اللايرسي في سياق المقارنة بين التوجه الفيزيائي لأرخيلاوس وبين التوجه الأخلاقي لسقراط: "أرخيلاوس الأثيني أو الملطي كان تلميذًا لأنكساغور وأستاذًا لسقراط. لقد كان أول من استقدم الفلسفة الطبيعية من أيونيا إلى أثينا. ومن هنا جاءت تسميته بالفيزيائي، فضلًا عن سبب آخر، وهو أنَّ هذا القسم من الفلسفة ينتهي معه، في الوقت الذي يُدخل سقراط الأخلاقَ"([16]).
 
غير أنَّ تلميذه أفلاطون سيقدم مقاربة تأويلية جامعًا كل أولئك المعلمين السوفسطائيين بوصفهم نظائر يندرجون تحت سنخ مذهبي واحد، جاعلًا منهم جميعًا خصومًا لسقراط، راسمًا عنهم صورة قدحية آلت بهم إلى مجرد أناس لا تشغلهم المعرفة ولا الحقيقة؛ ولكن المنفعة المادية فقط، ولو أدى بهم ذلك إلى تسفيه الفكر وإيقاع الوعي في شكيَّة([17]) عدميَّة([18]).  
ومقصودنا من هذا المكتوب هو نقد هذا التأويل الذي قدمته الأفلاطونية عن السوفسطائي، حتى صارت صورته الشائعة صورة رجل شكَّاك، تنحصر مهارته في التلاعب بالكلمات، من أجل قبضة من مال!
أجل، إنَّه ملمح شائع في تاريخ الفكر الفلسفي، لكنه في تقديرنا مجرد صورة زائفة. ومن ثمَّ نهدف في هذا البحث إلى نفيها، ومجاوزة حاصلها في القراءة التأريخية للفكر الفلسفي، التي عادةً ما تصنف السوفسطائيين بوصفهم نقيضي الفلاسفة؛ فيتم ركنهم على هامش السياق الفلسفي، بدعوى أنَّ نهجهم ومقولاتهم مناشزة لماهية التفلسف، بينما هم في الأصل تتلمذوا على الفلاسفة الإغريق، وأسهموا بحظٍ وافر في بناء زمن الأنوار الإغريقي بإسهاماتهم في الجدل الفلسفي، وتطوير اللغة اليونانية، وتوسيع أفق التفكير بما أبرزوه من إشكالات معرفية. هذا فضلًا عن أنَّ خبرتهم النظرية والعملية في المجال التربوي، أهلتهم لأنْ يكونوا رواد تجديد التعليم اليوناني، الذي أحدث نقلة مهمة في الثقافة الإغريقية حيث جعل التربية موصولة باحتياجات بنية الاجتماع.
وشدة العداوة التي أبداها أفلاطون تجاه السوفسطائيين لا أراها تعكس خلافًا فكريًا فقط؛ بل تعكس أيضًا القيمة الفكرية للسوفسطائية، إذ لولا تلك القيمة ما استحقت تخصيص أفلاطون تقريبًا جميع "محاوراته" لنقدها.
 
 


-2-
 


ويلحظ القارئ أنني لم أعنون الكتاب بـ"السوفسطائية" بل بلفظ الجمع ("السوفسطائيين")، والحافز إلى اختيار دال الجمع بدلًا من النعت المذهبي، آتٍ من أنَّ السوفسطائيين لا يشكلون مدرسة أو مذهبًا محددًا منتظم الكيان، كما هو حال المدرسة الإيلية أو الفيثاغورية مثلًا؛ بل هم شتات من المفكرين، أخطأ بعض مؤرخي الفكر الفلسفي([19]) في النظر إليهم بوصفهم أعلام مذهبٍ فكري موحّد، مشتركين في النهج ومحصوله. وعليه، فإننا إذا استعملنا داخل المتن عبارة "الفكر السوفسطائي" أو نعت "سوفسطائي(ة)" فذاك فقط للدلالة على بعض المشتركات والوسومات التي لا نرفعها إلى مستوى الدلالة على ماصدق مذهبي.
والدليل على تمايز وفرادة السوفساطائي أنَّ المتن الأفلاطوني ذاته، رغم تحامله على السوفسطائيين، وحرصه على تركيمهم جميعًا ضمن اتجاه واحد، تنفلت منه أحيانًا كثيرة بعض الوسومات التي تثبت تمايزاتهم واختلافاتهم. 
ومعلوم أنَّ المؤرخ الإنجليزي جورج غروت G. Grote  كان أول من ناهض التعامل مع السوفسطائيين بوصفهم تعبيرًا عن مدرسة ومذهب. وذلك في المجلد الثامن من كتابه "تاريخ الإغريق" الذي أصدره في بداية القرن التاسع عشر، وللاستدلال على ذلك أشار إلى محاورة "بروتاغوراس" حيث تحدث أفلاطون عنه وعن بروديقوس وهيبياس بما يفيد اختلافهم، بملامح معرفية ومنهجية متمايزة؛ بل ثمة ما يفيد وجود مناكفة و"غِيرَةٍ متبادلة بينهم"([20]) كما يقول غروت. كما يمكن أن أضيف هنا أننا نرى في ذلك المتن الأفلاطوني ذاته فارقًا كبيرًا جدًّا بين فكر بروديقوس([21]) المشدود إلى ضبط الدوال وتحديدها بدقة، وبين الصورة التي يقدم بها أفلاطون سوفسطائيين آخرين، هما يوثيديموس وديونيسودوروس.
لكن هل يعني هذا أنَّه ينبغي الفصل التام بين السوفسطائيين، وتشتيتهم، ومعاملتهم فرادى لا جماعة؟
قد يقال: حتى الدراسات التي أكدت على فردية السوفسطائي، حرصت عند تناول فكر السوفطائيين على تعيين ميسم فكري جامع بينهم، فانتهت إلى نوع من التصنيف الموحد. وللاستدلال على هذا يمكن أن نستحضر أكثر من مثال:
فالمؤرخ الإيطالي ماريو أنطرشتاينر untersteiner، مثلًا، لم تمنعه قراءته للسوفسطائيين بوصفهم لا يمثلون مدرسة أو مذهبًا، من إدراجهم جميعًا تحت وسم واحد هو أنهم يعبرون عما أسماه بـ"النزعة الإنسانية الوجودية الدرامية"([22])؛ بينما كان غروت من قبل قد صنفهم - رغم اقتناعه هو أيضًا بأنهم أفراد متمايزون - بوصفهم  مفكرين "وضعيين أنواريين"؛ ورغم أنَّ أوجين دوبريل شدَّد على وجوب الحفاظ على فردية السوفسطائي بوصف السوفسطائيين بـ"فلاسفة أصلاء"([23])؛ أي إنَّ كل واحد منهم له فرادته المتميزة، فإنَّه انتهى هو أيضًا إلى تحديد وسومات جامعة في سياق بيان أصالتهم عن السياق الفلسفي الإغريقي. وحتى بربارا كاسان التي "تأسفت" على أنَّ السوفسطائيين يظهرون كـ"مجموعة من الفرديات، وأحيانًا ككائنات مائعة ومتقلبة من الناحية النظرية"([24])، فإنها مع ذلك جمعتهم تحت إهاب اللوغولوجيا([25]).
ولكن من لحاظ آخر نرى أنَّ أولئك المؤرخين والشراح حرصوا على حفظ الفردية حتى عند تحديدهم للوسم المشترك، فالوجودية ملمح مؤكد على فردية المتذهب بها، والأصالة عنوان الفرادة، والأنواري عنوان على الشخصية النقدية وعدم الانسياق مع التقليد ... بيد أنَّ هذا يبرز لنا، من جهة أخرى، أنَّ ثمة مشكلة في فهم مآل السوفسطائيين في تاريخ الفكر؛ لأنهم إذا كانوا بهذه الفرادة والاستقلالية عن بعضهم بعضًا، فلماذا نجح التقليد الأفلاطوني، ليس فقط بجمعهم تحت إهاب واحد، بل بنفيهم جميعًا من حظيرة التفلسف؟!
إنَّ بحث هذا الاستفهام يحتاج إلى دراسة مفصلة للعلاقة بين منطق التفلسف الكلاسيكي - الذي تم تأسيسه مع أفلاطون وأرسطو - وبين مواقف السوفسطائيين. وهو ما نسعى إلى بيانه في هذا الكتاب.
 
 
 
 


 
-3-
 


ومعلوم أنَّ المنعوتين بوسم السوفسطائية في تاريخ الفكر  كُثر، منهم: بروتاغوراس، وجورجياس، وليكوفرون، وبروديقوس، وهيبياس، وثراسيماخوس، وأنتيفون، وكريتياس، وبولس، ويوثيديموس، وديونيسودوروس([26]) ... 
 وقد نظر غالبية مؤرخي الفكر إلى ذلك الجمع من الأسماء، فلم يلاحظوا سوى تباين في مكانة كل واحد، ولم يركزوا على دلالة تباين مواقفهم الفلسفية؛ لذا انتهوا إلى تصنيف السوفسطائيين إلى صنفين اثنين: صنف الخطباء، وصنف المفكرين. ولكن حتى هذا الاختلاف في التصنيف، إن ساغ اعتماده بالنظر إلى اختلاف قدرات كل واحد منهم وقيمة إسهامه؛ فإننا نختلف مع المُصَنِّفِين في بعض ماصدق التصنيف كما سنبيِّن خلال البحث([27]). هذا فضلًا عن اعتقادنا بأنَّ الاختلاف الذي ينبغي التركيز عليه هو أكبر من مجرد التصنيف بحسب المكانة، وأعني به اختلاف وجهات النظر وتغاير الرؤى.
والملحوظة التي تلفت الانتباه هي أنَّ أهم الأسماء السوفسطائية، ظهرت في زمن متقارب يبدأ من منتصف القرن الخامس حتى العشرين سنة الأولى من القرن الرابع قبل الميلاد، أي بين (460 - 380 ق م). وهي فترة وجيزة بالقياس إلى حياة الأفكار. لكن لا مانع من القول بأنَّ كثيرًا من آرائهم استمرت في تلافيف مذاهب فلسفية لاحقة.
غير أنَّه إذا نفينا الاشتراك المذهبي بين السوفسطائيين، وقلنا بأنهم لا يشكلون مدرسة موحدة القوام الفكري، فإنَّ هذا لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن ملاحظة بعض الوسومات المشتركة بينهم. أهمها أنهم، فضلًا عن الاشتراك في الزمن، اشتركوا في احتراف وظيفة التعليم، وبناء عليها حصل تحويل دلالة تلك التسمية بحصرها في زمنهم بمهنة التعليم، فصار لفظ الـ"سوفسطائي" دالًّا على المعلم. ونرى في تلك الوظيفة التعليمية مفتاحًا مهمًّا لفهم الظاهرة السوفسطائية، وإدراك بعض محدداتها. حيث يجوز القول بأنَّ مختلف المشتركات التي يمكن أن نلحظها بين السوفسطائيين يمكن إرجاعها إلى حاصل اشتغالهم بالتعليم، وتفاعلهم مع مقتضيات الاجتماع السياسي اليوناني.
غير أنَّ الاشتراك في الحرفة لا يعني أنَّ الممارسة التعليمية السوفسطائية كانت مُمَأْسسةً في شكل مدرسة صادرة عن تأسيس نظري أو مذهب فلسفي كما هو حال مدرسة كروطونا([28]) مثلًا؛ بل لقد كان التعليم السوفسطائي ممارسات فردية متحررة من الالتزام بأي نظرية مرجعية مشتركة.
إلا أنَّه رغم فردية تلك الممارسة، فقد حدث تقارب في البرنامج التعليمي بين السوفسطائيين، وكان السبب الناظم لهذا التقارب حاصلَ تفاعل واستجابةً للشرط السوسيو-ثقافي، لا محصول  موقف معرفي موجه لتلك الممارسة ابتداء.
وعلة ذلك أنَّ  المعلم ("السوفسطائي") بحسِّه العملي المتفاعل مع حاجة المتعلم، كان من أكثر مفكري الإغريق وعيًا بزمنه الثقافي واستجابة لاحتياجاته الواقعية([29]). وهذا الجدل بين الواقع والفكر في تشكيل مواقف السوفسطائيين هو ما سنفسر به بعض التقاربات الأخرى الملحوظة بينهم. 
ثم إنَّ هذا التفاعل مع الحاجات العملية هو ما يجعلنا نقول إنَّ فضل إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض يرجع إلى السوفسطائي لا إلى سقراط. فإذا كان شيشيرون في كتابه "مجادلات توسكالن" قال بأنَّ: "سقراط أول من دعا الفلسفة للنزول من السماء، للإقامة في المدن، والدخول حتى إلى البيوت، وفرض عليها دراسة الحياة، والأخلاق"([30])؛ فإنَّه يصح لنا معارضته بالقول إنَّ فاعل هذا التنزيل حقًا هم السوفسطائيون. حيث  إذا قيل بأن منطلق التفكير الذي هيمن على الوعي الفلسفي فيما قبل العقود الأخيرة من القرن الخامس قبل الميلاد ، كان هو تكوين جواب عن أصل الوجود وقانونه، فلابد من القول بـأن منطلق الفكر صار مع السوفسطائي هو التفكير في المعاش الاجتماعي والسياسي، والإيغال في بحث إشكالاته والعمل على التكوين المعرفي للتعاطي معها في غمرة الواقع. 
وهذا التحول سيجعل المعرفة شأنًا عامًّا لا خاصًّا؛ إذ قبل السوفسطائية يقول زيلر: "لم تقع أي محاولة مهمَّة لتحويل العلم إلى خير مشترك، وإعطاء الممارسة الأخلاقية والسياسية مبادئ علمية"([31]). ورغم أنَّ الفلسفة الفيثاغورية كانت ذات منزع أخلاقي، فإنَّه حسب زيلر لا يصح تقييمها كتحويل للفكر الفلسفي إلى مبادئ موجهة للسلوك الأخلاقي والسياسي في مستواه العام؛ وذلك لسببين:
أولهما: أنَّ الفيثاغورية كانت محصورة في جماعة ومسيَّجة بقانون الصمت، فلم يكن لها من ثمَّ أي "تأثير إلا في أعضاء المجتمع الفيثاغوري"([32]).
أما السبب الثاني فهو أنَّ نظرياتها العلمية "لم يكن لها علاقة مباشرة بالحياة العامة"([33]).
ولا يسمح المقام بتفصيل القول في السبب الثاني، فقد توسعنا في كتابنا "فيثاغور والفيثاغورية.. بين سحر الرياضيات ولغز الوجود" في بيان المدى الفلسفي لهذه المدرسة، لكننا نوافق زيلر في السبب الأول؛ لأنَّ الفيثاغورية فعلًا لم تكن منفتحة على الاجتماع رغم ما قيل عن التدريس العام الذي مارسه فيثاغور في كروطونا، بينما حَصَّلَ السوفسطائيون هذه السمة فكانوا منغمسين في جدل الواقع ومتفاعلين مع قضاياه وإشكالاته.
 
ثم إذا أضفنا قياس الحس العملي السوفسطائي بذلك الإيغال في الملمح النظري الذي بدا في الفلسفات السابقة كالإيلية مثلًا، فإنه يصح القول بأن النصف الثاني من القرن الخامس شهد مع السوفسطائية تنزيلا  حقيقيا للفكر من السماء إلى الأرض، حيث صارت الممارسة الفكرية موصولة بالبنية الحياتية للإنسان اليوناني. 
ولإدراك الحوافز التي دفعت السوفسطائي إلى إجراء فعل تنزيل الفلسفة إلى الأرض، نحتاج إلى بحث طبيعة الزمن الذي اكتنف ظهور السفسطة، وبيان الشروط الجديدة التي أوجدها تطور الاجتماع السياسي. إذ نرى أنَّ فهم الظاهرة السوفسطائية مرتبطٌ بفهم التحول الذي حصل في الواقع الإغريقي بانتقاله إلى الانتظام بالحكم الديموقراطي. وهو ما سنحاول إنجازه في الفصل الأول الذي سنخصصه لبحث "صيرورة الاجتماع السياسي الإغريقي، وشروط ظهور التعليم السوفسطائي".
 


-4-
 


لكن أمام درس "الفلسفة" السوفسطائية حاجز منيع، وهو قامة أفلاطون، الذي لا يمثل أمامنا فقط بوصفه "مؤرخًا" لها؛ بل أيضًا بوصفه خصيمها الأكبر. فكيف السبيل والحال كذلك إلى بلورة رؤية  تاريخية مقاربة للسوفسطائية على غير المنحى الأفلاطوني؟!
إنَّ الأداة المنهجية التي سنستعملها هي توسل أفلاطون ضد أفلاطون، وأعني بذلك النهوض إلى تدقيق النظر في المتن الأفلاطوني للكشف عن تناقضاته في ترسيم صور السوفسطائيين، مع الحرص على كسر الصندوق المذهبي الذي حشرهم فيه.
وحرصنا على كسر الصندوق ، أي عدم معاملة السوفسطائيين كجمع مذهبي، له لازم منهجي على طريقة البحث، وهو  وجوب دراستهم فرادى بالتماس تمايزاتهم وخصوصيات كل واحد منهم، مع الاحتراس من ذلك التعليب المذهبي الجاهز الذي يقدمهم جميعًا بوصفهم من دعاة الشكية ونفي الحقيقة، والتلاعب بالدلالة([34]).
وهكذا سيكون بحثنا في مأثورات السوفسطائيين، فردًا تلو آخر، وفق الترتيب الزمني([35])، بادئين بمن يقول أفلاطون إنَّه كان أول من تسمى بـ"السوفسطائي"، أي "بروتاغوراس".
أما الإشكالية المحورية التي سنحاول معالجتها في بحث فكر تلك الشخصية السوفسطائية الرائدة، فقائمة أولًا على الكشف عن التناقض الثاوي في المتن الأفلاطوني، حيث إنَّ الوسم الذي مَثُلَ به بروتاغوراس في محاورة "ثياتيتوس" مغايرٌ للذي ظهر به في المحاورة الموسومة باسمه ([36]). إذ في "ثياتيتوس" يحرص أفلاطون على تقديم السوفسطائي الأول بوصفه داعي إبستيملوجيا شكيَّة نافية للحقيقة، بينما في محاورة "بروتاغوراس" يضع على لسانه مقولات معرفية واثقة لا يعتورها شك.
فأي البروتاغوراسَيْنِ أولى بالأخذ؟
إنَّنا نعي أنَّ استعمال أفلاطون ضد أفلاطون ليس حلًّا للمشكلة بالنسبة إلى مشروع تأريخي لا يبتغي الاشتغال بالهيرمونطيقا كالتذاذٍ بفتح التأويلات على مداليل لانهائية تتساوى في المشروعية، بل بما أنَّ مشروعنا هو المنافحة عن المعنى الذي نرجح صوابه؛ فإنَّ الكشف عن تناقضات المتن الأفلاطوني مقدمة تستدعي منَّا الانتقال إلى مرتبة منهجية تتغيَّا الموازنة والترجيح، وفق فرضية مؤسسسة قادرة على استنطاق الشواهد وتحقيق الأقاويل.
والأطروحة التي سنشتغل من أجل اختبارها مخالفة للتأويل الأفلاطوني لفكر بروتاغوراس  بوصفه داعي الشكية، وقد ألمحنا سابقًا إلى أنَّ محل هذه النسبة ومصدرها الأول هو متن "ثياتيتوس"، حيث يعزو أفلاطون إلى بروتاغوراس القول بأنَّ "الإنسان مقياس جميع  الأشياء...". ومعلوم أنَّ هذا المقول صار يتداول في كل الكتابات التي تناولت الفكر السوفسطائي كدليلٍ على نفي الحقيقة، بدعوى أنَّه يجعلها مرهونة بالإنسان/الفرد. 
ورفضنا لهذا التأويل راجع إلى أنَّنا نراه قائمًا على إسقاط دلالي يلصق بتلك العبارة مدلولًا لا تستبطنه بالضرورة. وعليه، فإنَّ أطروحتنا هي رفض ذلك التأويل الشائع الذي يحدد دال الإنسان في مقول بروتاغوراس بوصفه الإنسان/الفرد. لكن ذلك لا يعني أنَّنا نأخذ بالتأويل المقابل([37]) أي إنَّ المعنى الثاوي في العبارة هو الإنسان/النوع؛ بل إننا نخالف التأويلين معًا، وذلك بتأسيس إمكانية تأويلية مغايرة للقراءة التقليدية التي تؤول بدال الإنسان إلى معناه الفردي الذي يلغي إمكان الحقيقة. كما نغاير القراءة المعاصرة التي حاولت فهم ذلك الدال بوصفه يعني الإنسان/النوع لا الفرد.
لكن إذا نفينا التأويل التقليدي لكون دال الإنسان في تلك المقولة البروتاغوراسية الشهيرة لا يدل على الإنسان/الفرد، فكيف سيستقيم أيضًا نفي ضديدها، أي إنَّ معنى الدال هو الإنسان/النوع؟ 
وماذا سيتبقى من معنى بعد نفي الدلالتين معًا؟
 
ثم كيف يمكن  لنا  تجاوز القراءة التقليدية المتأولة لبروتاغوراس بوصفه داعي الشكية، بينما ثمة شواهد أخرى منسوبة إليه نلقاها عند أرسطو وأوسيب، تمكن من إسناد التأويل ذاته؟
ألا ينسب له المتن الأرسطي مقولًا يفيد بأنَّ ثمة إمكانية لوجود خطابين متناقضين تجاه أي شيء؟ ألا ينسب له الدوكسوغرافي أوسيب مقولًا يفيد موقف اللاأدرية الدينية؟
 
يتبيَّن منذ هذا المدخل الإشكالي، أنَّ بحثنا في "فلسفة" بروتاغوراس ملزم بأن يتدارس تلك المقولات الثلاث، ويتجادل مع التأويلات المعطاة لها.
ثم إذا جاوزنا بروتاغوراس، سننتقل إلى ثاني أشهر شخصية سوفسطائية، أي  جورجياس، وستكون أول مهمَّة نقصد إلى إنجازها، في الفصل الرابع، هي تخليصه من ذلك التصنيف الحسير الذي يضعه ضمن صنف السوفسطائيين الخطباء، وينفي عنه إمكان الارتقاء إلى مستوى صنف "السوفسطائي المفكر". وهو التصنيف الذي أنجزه المؤرخ الألماني جومبرز القائل: "ينبغي إدراج جورجياس ضمن صنف الخطباء". وعندما تفضل عليه بوسمه بالتفلسف، قال عنه إنَّه " كان نصف خطيب ونصف فيلسوف"([38]).
والحافز إلى هذه المجاوزة هو أنَّ اشتغالنا بدرس المقولات الجورجياسية، دفعنا إلى الاقتناع بأنَّه اعتساف كبير أن يعاقب جورجياس بسبب نجاحه في الخطابة، واتخاذ ذلك النجاح تعلة لغمط مهارته الأخرى، أي إسهامه في جدل الفكر الفلسفي.
 ولكن إذا أمكننا إعادة النظر في هذا التصنيف، ورفع جورجياس إلى مقام التفلسف، فإنَّ المهمة الأصعب هي تحديد ماهية إسهامه الفلسفي. ومعلوم أنَّ المصدر الذي يمكن أن نستمد منه معلومات عن فكر جورجياس هو موجز كتابه "في اللاوجود" المثبت في ذلك المتن المنحول إلى أرسطو، أي متن "ميليسوس، كزينوفان، جورجياس"، بالإضافة إلى الموجز الآخر الذي قدمه سكستوس أمبيريقوس عن الكتاب ذاته.
أما الأساس المنهجي الذي سنعتمده لفك مستغلقات تلك المقولات المنسوبة إلى جورجياس عند أمبيريقوس، وفي  النص المنحول إلى أرسطو، فهو استحضار الأنطولوجيا الإيلية ([39]) التي نعتقد أنَّ إعادة اكتشاف جورجياس مرهونة بموضعة مقولاته في سياق المجادلة معها. وبناء على استحضار هذا الجدل، ستكون أطروحتنا مغايرة للتأويل الشائع لنظرية جورجياس بوصفها فلسفة عدمية. أجل إنَّنا لا ننكر المقول المسنوب إليه، أي الذي يصرح فيه بأن لا وجود، وإن وجد لا يدرك، وإن أدرك لا ينقل لغويًا. ولكن هذا المقول لا نراه دالًّا على العدمية كما يزعم جمهور الشراح والمتأولين؛ لأنَّنا نزعم أنَّ دال الوجود المنفي في عبارة جورجياس ليس الوجود بإطلاق، بل الوجود المعقولي البرمنيدي تحديدًا.
وإذا ما أثبتنا هذه  الدلالة باستحضار ذلك السياق الجدلي مع الأنطولوجيا الإيلية؛ فإنَّنا سنتمكن من إرساء معبر للفهم ينحو نحو أفق دلالي جد مختلف لذلك الذي يرتسم في مسار القراءة التقليدية.  
وعلى ضوء هذا السياق الجدلي سنقرأ في الضميمة سوفسطائيًا آخر قيل بأنَّه تتلمذ على جورجياس، أعني  ليكوفرون Lycophron الذي سنبحث ما تبقى من مكتوباته، أي شذراته الست المروية عند أرسطو. حيث سنسعى لفهم تلك الشذرات الست، بموضعتها في الإطار الجدلي الذي وضعنا فيه مقولات جورجياس، أي الصراع مع الأنطولوجيا الإيلية. وهو الصراع ذاته الذي نرى الدوسكورغرافي ثيميستيوس قد استحضره في توصيفه للجهة التي خاطبها ليكوفرون. لكننا سنحرص على أن نضيف أيضًا الفلسفة الهيراقليطية، حيث نرى أنَّ الإحالة عليها شرطٌ لفهم حرص ليكوفرون على الحذر من استعمال فعل الكينونة. هذا مع احتراسنا من تأويل ثيميستيوس([40])؛ لأنَّنا نراه أوغل في استعمال الاصطلاحات الأرسطية عندما نسب إلى ليكوفرون أنَّه يقبل فعل الكينونة عندما يكون مجرد رابطة حملية، ولا يقبل به عندما يتعلق الأمر بإثبات الجوهر. هذا رغم توكيدنا على أنَّ الانتباه إلى مفارقة رابطة الكينونة كان واضحًا في نص جورجياس، عند جمعه بين اللاوجود والوجود ضدًا على الإيلية.
ودرس فكر ليكوفرون سيكون أيضًا مناسبة لفهم نظريته السياسية القائمة على نفي المشروعية اللاهوتية للقانون، حيث أرجعه إلى التواضع الاجتماعي. وهو موقف يساعدنا على إدراك دلالة نشوء ظاهرة السوفسطائية في المجتمع الديموقراطي.
 
كما سنتناول في الفصل الخامس مفكرًا سوفسطائيًا متميزًا هو بروديقوس، الذي تفيد المحاورة الأفلاطونية بأنَّ مجال اختصاصه هو الانشغال بضبط مداليل الحدود اللغوية، وهو ما سيسمح لنا بفهم تبلور الفكر السقراطي ذاته، حيث إنَّ أهم نظرية ينسبها أفلاطون وأرسطو([41]) إلى سقراط، أي نظرية الحد الماهوي، نعتقد أنَّ أصلها والحافز إلى تنبيه سقراط إليها هو تتلمذه على بروديقوس.
ثم إذا قارنا بين الترسيم الذي خَطَّهُ به أفلاطون لشخصيات بروتاغوراس وجورجياس وليكوفرون  وبروديقوس، وبين ترسيم صورة سوفسطائي آخر هو "هيبياس "؛ فإنَّه يصح لنا أن نقول بأنَّه ليس في المتن الأفلاطوني صورة نموذجية لشخصية السوفسطائي، كما يريد أفلاطون أن يسوقها لنا، مثل الصورة التي يقدم بها هيبياس([42]).  
ومن المعلوم أنَّ أفلاطون خصَّ هيبياس بمحاورتين اثنتين هما: كتاب "هيبياس الكبير" Hippias Major، وكتاب  "هيبياس الصغير" Hippias Minor([43])؛ وفيهما نرى حرصه على أن يقدم هذا السوفسطائي كباحثٍ عن المال، وحريص على الاتجار بالمعرفة. وإذا تتبعنا فقرات المتن الأفلاطوني سنلحظ أنَّ هيبياس يورد وكأنَّه شخصية ساذجة لا تنتبه حتى لأبسط أشكال التخابث التي يستعملها سقراط في مساءلته؛ مما يجعلني أقول:
ليس لدينا عن أفلاطون هيبياس الأكبر ولا هيبياس الأصغر، بل هيبياس "الأهبل"([44])!
لكن هل حقًا كان هيبياس بالملمح الذي رسمه أفلاطون؟! بمعنى أنَّ شخصيته كانت وسيلة سهلة  سمحت له باتخاذها مستندًا لتسفيه صورة السوفسطائي؟
إنَّه سؤال مشروع، يستدعي منَّا معاودة النظر في مختلف المقولات المنسوبة إلى هيبياس من أجل اختبار مدى صدقية الرواية الأفلاطونية من جهة، وتحديد دلالة الموقف الفكري المنسوب إليه من جهة ثانية. وهو موضوع بحثنا في الفصل السادس.
 
ثم بعد دراستنا لنموذج هيبياس سننتقل، في الضميمة (الفصل السابع)، إلى بحث فكر ثراسيماخوس. الذي خصص له أفلاطون الكتاب الأول من الجمهورية، حيث قدَّمه بوصفه داعي الاستبداد. بيد أنَّ معاندة التأويل الأفلاطوني فيما يخص ثراسيماخوس، مهمَّة غير سهلة؛ لأنَّ جميع كتابات هذا السوفسطائي ضاعت ولم يبق منها سوى شذرات متفرقة، تستلزم وقفات عديدة، من أجل تلمُّس ملمح التناقض الثاوي في المتن الأفلاطوني، من أجل مغايرة تأويله الذي جعل من ثراسيماخوس نموذجًا للسفسطة المنافحة عن الاستبداد والظلم.
ثم إنَّ الصورة التي حرص أفلاطون على رسمها لثراسيماخوس، إن كانت مشابهة لصورة كريتياس (انظر الضميمة في الفصل  السابع) الذي تفيد النصوص والشواهد بأنَّه كان من المناهضين للحكم الديموقراطي، فإنها صورة مغايرة تمام المغايرة لصورة السوفسطائي الأثيني([45]) أنتيفون (انظر الضميمة في الفصل السابع). وهو ما يؤكد ما قلناه أعلاه، أي إنَّه من الخطأ جمع السوفسطائيين في سلك مذهبي واحد. وعليه، فالمنطلق الفرضي الذي سنشتغل به هو تناولهم  كتفاريق من المفكرين، لم يجمعهم سوى احتراف مهنة التعليم في زمن انتقال المدينة الإغريقية إلى الانتظام بالنظام الديموقراطي. 
 


 
 
-5-
 
 


ذاك قول وجيز في شأن السفسطائيين الثمانية الذين سنتناولهم بالدرس في هذا الكتاب، وتلك إلماحات إلى بعض المسائل الإشكالية التي عليها مدار نظرنا، للاقتراب من فهم أطاريحهم. وعليه، يتبيَّن أنَّنا استثنينا من البحث  مجموعة من الأسماء السوفسطائية؛ والداعي إلى ذلك الاستثناء هو إما أنها لا تَرِدُ بأكثر من منطوق اسمها، كما هو الحال بالنسبة إلى كزينياد Xeniades وبولوسPolos ، أو لأنَّ الصورة التي رسمت عنها بالغة التسفيه كما هو الحال مع يوثيديموس Euthydemos وديونيسودوروس Dionysodoros.
فحالة كزيينايد، مثلًا، ليس لدينا عنها في الدوسكوغرافيا ما يسمح ببناء البحث المعرفي؛ إذ لا نعلم عنه سوى أنَّه كان من قدماء السوفسطائيين. بل يذهب ظنُّ المؤرخين إلى أنَّه ولد قبل ديموقريط، الذي يستفاد من الدوكسوغرافيا بأنَّه ذكره([46]). أما عن موطنه فقيل بأنَّه من مدينة كورنثه Corinthe. وعلى مستوى المقولات المعرفية ينسب له سكستوس أمبيريقوس([47]) القول بأنَّ "كل شيء باطل" وأنَّ كل ما يوجد جاء من اللاوجود، وكل شيء يؤول إلى اللاوجود.
ذاك كل الوارد الدوكسوغرافي في شأن كزينياد، وعليه تكون الفقرة أعلاه قد استوفت ذكره، وإن لم تحقق مستلزمات البحث؛ لعدم وجود مواد قيامه. 
أما فيما يخص بولوسPolos ، فلم تتوسع الكتابات الفلسفية القديمة في توصيف موقفه الفكري، وكل الوارد في شأنه هو أنَّه خطيب من أكراغاس، أي مدينة أمبادوقليس، وأنَّه تتلمذ على ليسيمنيوس  Licymnios de Chios وجورجياس. وقد ذكره أفلاطون في محاورتيه "فيدرس" و"جورجياس". غير أنَّ الملفت للانتباه هو أنَّ أرسطو ينسب له فكرة مع تثمينها، وهي أنَّ "التجربة تصنع الفن"([48]). لكنه لم يتوسع في الإيراد عنه أو تحليل فكره. وبذلك تبقى الرواية الأفلاطونية منفردة به. غير أنَّ الإيراد الأفلاطوني رغم إسهابه لا يحقق إمكانية قيام البحث؛ إذ نرى أنَّه على الرغم من حضور بولوس بقوة في محاورة "جورجياس"، حيث يساجل سقراط ثلاثة سوفسطائيين هم  جورجياس و بولوس وكاليكليس؛ فإنَّ الوارد جد ضامر. فلماذا لم نؤسس المبحث على الوارد الأفلاطوني في محاورة "جورجياس"؟ إذا نظرنا في صيرورة الحوار داخل المتن الأفلاطوني سنلاحظ حرصًا على استبعاد  الشخصية التي عنون بها أفلاطون كتابه، أي  جورجياس. بل يحق لنا بقياس مساحة الحضور أن نتساءل لماذا لم يعنون أفلاطون نصَّه هذا باسم كاليكليس أو حتى باسم بولوس؟! 
لا حاجة لأفلاطون لأن نشهد له بأنَّه ماهر جدًّا في بناء متونه الحوارية. بل حتى المداخل الممهدة التي تبدو في الظاهر مجرد مشاهد عابرة، نجد فيها مفاتيح مهمَّة لتحصيل دلالة نظام المحاورة. والشاهد هنا أنَّنا نلاحظ منذ أول عبارة في متن "جورجياس" إشارة تبرر مقدمًا انسحاب هذا السوفسطائي من الحوار. إذ بمجرد وصول سقراط مرافقًا بخيريفون إلى بيت كاليكليس يبادره هذا الأخير بأنَّه تأخر؛ إذ فاته خير  عظيم، حيث صادف أن انتهى جورجياس من بيان فنه الخطابي.
لكننا كقراء لن نفهم سر هذا المهاد، إلا لاحقًا؛ إذ إنَّ قصد أفلاطون منذ البداية هو التمهيد بما يسمح له  بسحب جورجياس من الحوار في اللحظة التي يريد، لإدخال بولوس. وهذا بالضبط ما سيحصل، إذ نراه يضع على لسان جورجياس ما يتعلل به للاعتذار عن الاستمرار في الحوار؛ حيث سيقول بأنَّه سبق له أن تحدث بإسهاب قبل مجيء سقراط، وهكذا يدخل أفلاطون بولوس، كتمهيد لإخراجه مرة ثانية وإدخال كاليكليس كمحاور . 
لكن رغم حضور بولوس في محاورة "جورجياس"، فإنَّنا لم نجد من المعطيات المعرفية ما يسمح ببناء مبحث خاص به، حيث إنَّ أفلاطون لم ينسب له سوى استنزال قيمة العدالة إلى مجرد قوة هوجاء. كما أنَّ مساحة حضوره في متن "جورجياس" لم تكن مقصودة لذاته؛ بل كما أسلفنا القول، إنها مجرد حيلة لاستبعاد جورجياس.
أما يوثيديموس وديونيسودوروس، فليس في الدوكسوغرافيا السوفسطائية أي ملمح معرفي يسمح بقيام البحث ومعايرة مدى صدقية الرواية الأفلاطونية، التي أسهبت في ذكرهما، ونسبة مواقف معرفية إليهما. ولهذا نرى من الحصافة أنَّ مشروع ديلز/كرانز لم يعر لتلك المقولات التي نسبها أفلاطون إلى هذين السوفسطائيين أي تقدير، حتى إنَّ ذلك المشروع تجاهل تمامًا اقتطاع تلك المقولات لتكوين دوكسوغرافيا خاصة بهما. هذا رغم أنَّ ديلز وضع لكزينياد فقرة خاصة به، رغم ندرة ما قيل عنه في المصادر القديمة.
لكن قد يستفهم القارئ عن السبب الذي دفعنا إلى عدم تخصيص "السوفسطائي" كاليكليس بمبحث مستقل به ، رغم حضوره القوي في محاورة "جورجياس". بل على الرغم  من أن حضوره في تلك المحاورة يربو على مساحة حضور بولوس بل وجورجياس نفسه !
فما السبب ؟
لابد أن ننبه هنا ابتداء،  إلى أن السبب الذي يجعلنا نستحضر أو نُغَيِّبُ ليس قياس مساحة الحضور في جغرافية متن من المتون، بل بحث محتوى ذلك الحضور،  وهل له في الدوكسوغرافيا سند يعززه؟ 
والتزاما بهذا النهج استثنينا كاليكليس مثلما استثنينا يوثيديموس وديونيسودوروس ؛ لأنه ليس له في الدوكسوغرافيا ما يسمح ببناء مبحث خاص به ، نعزز  به أو ننفي ما نسبه إليه أفلاطون في محاورة "جورجياس"([49]). 
لكن ليس هذا هو السبب الوحيد، بل هناك سبب آخر و هو أن كاليكليس مشكوك في وجوده التاريخي ،إذ نرجح أنه شخصية متخيلة ، اصطنعها أفلاطون لتمرير فكرة تقريظ القوة الغريزية من قبل السوفسطائية. بمعنى أن الهدف من ابتداع شخصية كاليكليس وإدخاله في الحوار،  هو التعبير دون مواربة ولا خجل عن قصدية السوفسطائي. وذلك التعبير يمكن فهمه كحاصل تأويل أفلاطوني لما ينتهي له لزوما التفكير السوفطسائي. فاحترس أفلاطون من أن يُنطق الشخصيات السوفسطائية الحقيقية به (جورجياس- بولوس)، فاخترع شخصية سردية. 
 
وعليه، فإنَّه رغم هذه الاستثناءات يكون كتابنا قد توسع واستقصى ذكر الشخوص السوفسطائية، فلم يغفل أي شخصية لها سند دوكسوغرافي يسمح بمقاربتها. لكن ثمة استثناء وحيد يحتاج إلى التسويغ، وهو أنَّنا أغفلنا سوفسطائيًا مُتَخَفِيًّا، لم نستحضره في كتابنا هذا، يسمى سقراط([50])! وسبب استثنائه من أن يندرج في هذا الكتاب، رغم اعتقادنا بانتسابه إلى السفطسة؛ هو أنَّنا التزمنا فيه بما هو سائد في تاريخ الفكر، فاقتصرنا على المشهورين باسم السوفسطائيين؛ لنؤجل الحديث عنه إلى كتابنا اللاحق "السوفسطائي سقراط وصغاره". 
 
-6-
وكتابنا هذا ("دفاعا عن السوفسطائيين: دراسة في أطاريح بروتاغوراس، جورجياس، ليكوفرون، بروديقوس، هيبياس، ثراسيماخوس، أنتيفون، كريتياس")، هو جزء سابع موصول بأجزاء سلسلة "تاريخ الفكر الفلسفي الغربي.. قراءة نقدية"، تلك السلسلة التي أصدرنا منها عبر مركز نماء للبحوث والدارسات، ستة أجزاء، كان:
- أولها: كتاب "في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة" (2012). 
- وثانيها: كتاب "الفلسفة الملطية، أو لحظة التأسيس" (2013).
- وثالثها: كتاب "فيثاغور والفيثاغورية.. بين سحر الرياضيات ولغز الوجود" (2014).
- ورابعها: كتاب "هيراقليط فيلسوف اللوغوس" (2015).
- وخامسها: كتاب "كزينوفان والفلسفة الإيلية :قراءة في أطاريح كزينوفان ، برمنيد ، زينون ، ميليسوس" (2016).
- وسادسها: كتاب "أفول التفلسف الأيوني: قراءة في أطاريح  أمبادوقليس، أنكساغور، لوقيبوس، ديموقريط، ديوجين، أرخيلاوس، هيبو، ميطرودور" (2016).
 
واندراج هذا الكتاب السابع ضمن هذه السلسلة، لا يعني فقط انضمام كمٍّ نثري إليها؛ بل ثمة إهاب منهجي يجمعه بها، حيث يتناغم هذا السِّفْرُ مع الكتب الستة السابق ذكرها، من حيث النهج والأدوات المتوسلة في الاشتغال. وهو النهج الذي يقوم على إعطاء الأولوية إلى المنطوق الشذري، والإنصات إلى دلالات دواله، مع الاحتراس من الإسقاطات التأويلية اللاحقة التي جانبت القراءة التأصيلية. لكن المشكلة الكبرى التي ينبغي أن نعيها في بحث الفلسفة السوفسطائية هي أنَّ الإسقاط التأويلي المهيمن، أي ذاك الذي قام به أفلاطون، صار بمقام الجدار العصي على المجاوزة. بل نرى من السذاجة بمكان أن يراد تحقيق القفز عليه. ولذا فلحاظنا المنهجي في البحث هو استعمال ذلك الجدار لا تخطيه؛ لأنَّ المادة التي يمكن أن يتقوم بها أي بحث في فكر السوفسطائيين، هي من لبنات ذلك الجدار ذاته. وما يستمد من غير أفلاطون نزرٌ قليل. ونعني بذلك الغير: أرسطو، وسكستوس أمبيرقوس. أما المصادر الدوكسوغرافية اللاحقة فقد ركز أغلبها على السيرة لا على الفكر، وأعني بها متون فيلوسترات، وديوجين اللايرسي، وبلوتارك وأوسيب. 
وعليه، فإنَّ إجراءنا لمسلك الاحتراس المنهجي لا يعني استبعاد المتن الأفلاطوني، وإنما الطموح إلى استعماله ضده، أو بتعبير آخر، إنَّنا سنسعى إلى تفكيك ذلك الجدار واستعمال لبناته في غير منحاه في البناء.
 
                                             

         الطيب بوعزة
[email protected]
 طنجة في 28 محرم 1438
 29 أكتوبر2016
 
 
 




[1] - هذا مدخل كتابي "دفاعا عن السوفسطائيين"  وهو الجزء السابع من سلسلتي "تاريخ الفكر الفلسفي الغربي"  مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت 2017. 


[2] من بين دلالات لفظ "لوغوس"λόγος   في اللسان الإغريقي: العقل والخطاب.


[3] من بين الأمور التي تستحق البحث هو أنَّ لفظ "الخطابة"، لم يستعمله السوفسطائيون للدلالة على وظيفتهم؛ بل الذي استعمله هو أفلاطون في محاورة "جورجياس"، حيث نعت بها عمل السوفسطائي. بينما كانت الممارسة السوفسطائية حوارية جدلية تقوم على آلية منهجية تدعى الـ"أنتيلوجيا"، أي "التفكير مع وضد". وهذا لا يعني أنَّ السوفسطائيين لم يشتهروا كخطباء؛ بل الواجب هو تجديد فهم معنى الخطابة السوفسطائية بوصفها جدلًا. ونرى أنَّ نفي ماهيتها الجدلية من قبل أفلاطون راجع إلى حرصه على تخصيص صفة