صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينالتصنيفاتأحدث المقالات
OktobOktob
صانع الكروسيلالأكثر مشاهدةكتاب مميزينالتصنيفاتأحدث المقالات


عن أكتبتواصل معناشروط الكتابةسياسة الخصوصية

اكتب © 2026

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك وعرض إعلانات ذات صلة عبر Google AdSense. سياسة الخصوصية

  1. الرئيسية
  2. أحدث المقالات
  3. قهوة مرة
د.رياض إدريس

30 مايو 2018
مدة القراءة: دقيقتين

قهوة مرة


غادر زبائن القهوة القليلون، وانتصف الليل ، كان صديقي أستاذ التاريخ يحدثني عن مساعي الوزارة لتغيير الكتب :

- نريد أن نقلع جذور العنف من المجتمع ،ونصنع أجيالاً تحب الحياة ...كانت الجمرة على رأس أركيلته قد خَبَتْ ، فنادى هيثم -نادلَ القهوة وصاحبَها- أن يسعفه بجمرة متقدة ، أقبل هيثم بنشاط لم يضعفه تقدم الليل ، وضع الجمرة اللاهبة في مكانها بأناة ، والتفت إلي وقال سآتيك بفنجان قهوة : قلت له قهوتك الثقيلة سوف تسبب لي أرقاً ...

ما لبث هيثم أن جاء بفنجان القهوة ، فلما قربه إلي ، تأملت في عينيه ،كانتا تشعان أملاً ، و شباباً ، كان في العشرين من عمره ، أسمر الوجه ، غض الملامح ،تركتُ حديث التاريخ ، وسألته : كيف هي الحياة معك ؟

قال : مستورة !والحمد لله..

قلت له :في هذه القهوة في هذه الحديقة على ناصية هذا الشارع ، يمكنك أن تشق طريقاً واسعا في الحياة ! شكرني وقال : في رأسي أفكار كثيرة وأنا عازم عليها حتى تزدهر القهوة !جلس معنا وقد خلا المكان إلا من ثلاثتنا، تابع بحماس ظاهر ،قال إنه سيغطي طاولاته بغطاء أبيض أنيق ، سيضع على كل طاولة باقة ورد ، سيشغل موسيقا هادئة تجذب الحب والطمأنينة ، أشرت عليه أن يتخلص من زوائد الأشياء في الحديقة، فقال إن لدى جيرانه قبواً خالياً سينقل كل مالا يلزم إليه ، ثم استدرك بأنه سوف يستعين بأخيه وصهره في خدمة زبائنه ، وقال إن موعد كل إصلاحاته تلك سيكون الربيع القادم !

جاء الربيع التالي لاهبا كصيف !، عاصفا كخريف! ، لم يمهل براعمه أن تتفتح ، ولا عصافيره أن تغرد،ولا موسيقا هيثم الهادئة أن تصدح ...غاب هيثم مع الغائبين فجأة ، لم يعرف أحد عنه شيئاً ، ذبلت زهور الحديقة حول قهوته ، لوت أغصان الأشجار فيها أعناقها ،خلت ناصية الشارع إلا من العابرين على عجل !

أشرف الربيع على نهايته وعلى نحو غير متوقع ، تجمعت سحب رقيقة مع نسيم الصباح، ورشت السماءُ رذاذاً لطيفاً أنعش زهور الحديقة ، وعاد هيثم كما غاب فجأة ، حدّثَ زبائنه القليلين جداً عن غيابه ، وخوفه ، وغدر الأيام !

اشتدت حرارة الصيف ، تبخرت آماله الباقية ،أصبحت قهوته ترفاً لا يغري أحداً ..

أصبح حبيس البيت والهواجس ، يحسب كلَّ صيحة عليه ، وكلَّ حافلة تمر أمام بيته كأنما جاءت لتأخذه!

وقفت حافلة ، سكنت الحارةُ كأنها مقبرة ، نزل منها مسلحون ، جاسوا خلال الديار ، جمعوا حصادهم المر، سُمِعت رصاصات متفرقة ، اختلطت مع أوامر غاضبة واستغاثات، ساد صمت رهيب ، تحركت الحافلة ، نفثت دخانا كثيفا ثم اختفت ...

هبط الليل ثقيلا بطيئا ، وُجِد هيثم في قبو جيرانه غارقا بدمه ، وقريبا منه تمدد أخوه وصهره ...

تابع صديقي إلقاء دروسه المعدلة أستاذاً للتاريخ وشاهداً عليه !

في القهوة وجدت أغطيةٌ بيضاء أنيقة ،و مزهريات صغيرة، وأشرطة موسيقا هادئة مُودَعة في زاوية .

أما أنا فتركَتِ القصةُ في نفسي جمرة لاهبة لا أعرف أين أضعها ..

د.رياض إدريس
10 متابِع5 يتابع

صورة ترويجية لتطبيق أكتب على الهاتف

انضم الى اكتب

منصة تدوين عربية تعتد مبدأ البساطة في التصميم و التدوين

التعليقات