حامد المنتشري 

رحل الامير سعود الفيصل كما رحل غيره من عظماء وطني رحل في صمت مهيب بعد ان ملئ الدنيا هيبة رحل في هدوء عجيب بعد ان سجل بصمة خالدة في العمل السياسي العالمي .

رحل الفيصل رحمه الله ونحن على عادتنا العتيقة لا نرى اهل الفكر والابداع فينا الا حين يرحلون فإذا رحلوا ملأنا الدنيا بقصائد الشعر وعبارات النثر وكلمات الرثاء والتأبين وسرعان ما تنطفئ هذه الجذوة المتقدة ويخفت ذلك الحماس ويُسدل الستار على تاريخ من الخبرة والعطاء والعبقرية فننساهم كما نسينا من قبلَهم لنعزز تلك المقولة المشهورة ( نحن العرب مجرد ظاهرة صوتيه)

ان حديثي هذا نتاج شعوري بالألم حينما ارى مجتمعات اخرى تجعل من شخصيات ضعيفة النتاج او ربما ليس لها وجود في الواقع اصلاً رموزا للعظمة والعطاء .
فهم يصنعون لاجيالهم المتعاقبة القدوة والمثل الأعلى إيماناً منهم بأن القدوة الإيجابية تصنع الأعاجيب في بناء الحضارات .
نعم يا سادة إنهم يصنعون القدوة بينما نقف نحن في تخليد رموزنا عند تدبيج الكلمات وإطلاق الشعارات والألقاب حين موتهم .
متناسين ان ذلك كله لا يُخّلد فكراً ولا يصنع جيل .

لقد أفنى الامير سعود الفيصل رحمه الله عمره في خدمة الوطن وساهم في رسم ملامح هويته الوطنية ومثّله باقتدار في كل محفل وموقف وشهد له الشانئ قبل المحب
فكان بحق مدرسة متفردة للدبلوماسية الرصينة .

ان الفيصل وأمثاله من المخلصين ساهموا في بناء الوطن في مختلف الميادين والمجالات والعلوم والمعارف وجدير ان تدرّس سيرهم لابناءنا ونجعل من موروثهم مادة تلهمهم القدوة الصالحة والطموح التوّاق والوطنية الحقة .

أقول ذلك بعد ان امتدت يدي الى زاوية من زوايا مكتبتي لألتقط كتابا كنت قد اقتنيته منذ عام يتناسب والحدث الجلل

هذا الكتاب أحسبه الوحيد في مضماره فهو يكشف لنا صورا عن العبقرية الفيصلية من خلال تحليل خطابه السياسي .
الكتاب بعنوان ( استراتيجيات الإقناع السياسي - قراءة تحليلبة لخطاب سمو الامير سعود الفيصل
للدكتور مطلق سعود المطيري )

وبحق فقد كشف المؤلف القدير جوانب العبقرية السياسية من خلال تحليل الخطاب الفيصلي في مناسبات مختلفة ومواقف متعددة .
وضع المؤلف كلمات وخطابات الفيصل على طاولة استراتيجيات الاقتناع السياسيي فوجد انه لم يبقى أسلوب من أساليب ذلك الفن او اداة من أدواته الا وسخرها الفيصل في تحقيق الهدف والفكرة بكل مهارة وإتقان .

قرأت هذا الكتاب بمتعة التلميذ المعجب المحب لشخصية الفيصل فزادتتي تلك القراءة قناعة بأن الفيصل ظاهرة وزارية متفردة وعبقرية سياسية مختلفة وشخصية وطنية من نوع خاص
فأحببت ان أشارككم هذه المتعة بإختيار بعض ما تناوله .

- بداية الكتاب من الحجم المتوسط في ١٤٧ صفحة من الطباعة الفاخرة قدم للكتاب الصحفي والكاتب العراقي صلاح النصراوي وعقب عليه الدكتور محمود خليل الاستاذ بكلية الإعلام في جامعة القاهرة
جاء الكتاب في اربع فصول رئيسة هي الفصل الاول : قبل الدخول .. الإقناع السياسي .. آطار نظري
الفصل الثاني : الامير سعود الفيصل .. ومحددات الخطاب السياسي
الفضل الثالث : الخطاب السياسي للأمير سعود واستراتيجيات الإقناع
الفصل الرابع : الامير سعود الفيصل وأساليب الإقناع السياسي

وهذه بعض ما ورد في الكتاب من أساليب وأدوات الإقناع السياسي مصحوبة بمقتطفات من كلمات الامير سعود عميد الدبلوماسية العربية رحمه الله :

- تولى صاحب السمو الملكي سعود الفيصل وزارة الخارجية السعودية عام ١٩٧٥م خلفا لوالده الملك فيصل

- هناك شخصيات تاريخية ومعاصرة قد يختلف عليها البعض اما الامير سعود الفيصل فهناك ما يشبه الإجماع على إيجابية الأدوار التي لعبها منذ ان تولى منصبه كوزير

- تولى الفيصل رئاسة الدبلوماسية السعودية في مرحلة كانت الأمة العربية لا تزال تعاني من مرارة وآثار النكسة التي تعرضت لها عام ١٩٦٧م

- يقول الصحفي والكاتب العراقي صلاح النصراوي في سياق حديثه عن المتابعة الدقيقة للشأن السعودي ( وإذا كان من حصيلة يمكن ان يخرج بها اي صحفي من كل ذلك فإنها بالتأكيد تتعلق بملاحظة المهارة الفائقة التي تمكن بها الامير سعود الفيصل دائماً من ان يمزج بها السياسي بالدبلوماسي والاستراتيجي بالتكتيكي والشامل بالمرحلي وان يقدمها من خلال خطاب للعام في طبق فريد من الوضوح والبلاغة والالتزام والقوة )

- لقد نجح الفيصل في تجاوز تلك الإشكالية من خلال إتقانه لفن ( الإقناع السياسي ) وحرصه الواضح على استخدام العديد من استراتيجيات هذا الإقناع ووسائله التكتيكية وتمكنه من التنويع بين تلك الاستراتيجية والرسائل حسبما تتطلبه الظروف والمستجدات .

- من اساليب الخطاب السياسي للأمير سعود الفيصل منهج المحاورة الخطابية
حيث انعكس حرص سموه على استخدام نمط المحاورة الخطابية من خلال اعتماد هرمية واحدة لكلماته بغض النظر عن مكان الإلقاء او طبيعة المتلقين وتتمثل تلك الهرمية في ثلاثة مكونات أساسية هي : المقدمة القصيرة والموضوع والخاتمة القصيرة وعلى الرغم من اعتقاد البعض ان تلك الهرمية البسيطة فرضتها الوظيفة الدبلوماسية للأمير سعود الا انه من الملاحظ تفضيل سموه لتلك المنهجية على اعتبار انها اقصر الطرق للوصول الى الحقيقة ومن أمثلة ذلك كلمته التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والستين عام ٢٠٠٧ م حيث استعرض سموه المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العام في الوقت الراهن لينتقل الى ان هذه المتغيرات تتطلب التعاون الجاد تحت مظلة الامم المتحدة في سبيل إيجاد مناخات صحية لبناء علاقات سليمة ومتوازنة بيت الدول ثم انتقل الى استعراض مواقف المملكة تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية وليخلص في نهاية كلمته بقوله ( ان كل عام يمر علينا يثبت مجددا الحاجة الملحة والدور الحيوي للأمم المتحدة في عالم اليوم فمشكلاتتا الكونية لا يمكن إيجاد حلول ناجحة لها الا في آذار تعاون متعدد الأطراف تحت مظلة الامم المتحدة )

- حرص الامير سعود الفيصل على انتهاج أساليب تقيم علاقة حميمية بينه وبين متلقي الرسالة وتوظيف تلك العلاقة لضمان تحقيق الهدف النهائي من خطابه السياسي .
من هذه الأساليب أسلوب التحدث بشكل تلقائي ومباشر الى المستمعين ففي كلمته التي ألقاها أمام المنتدى الاقتصادي الأمريكي العربي المنعقد في مدينة ديترويت عام ٢٠٠٣ م والتي تحدث فيها بتلقائية حول عدم إتقان الأمريكيين من أصول عربية للغة العربية ولجوئه لمعالجة هذا الموقف بالتحدث باللغة الانجليزية اذ قال ( يعرف الجميع مدى فخر العرب بلغتهم وكنت قد نويت ان أتحدث باللغة العربية ولكن بعد ان سمعت الاستخدام البليغ لهذه اللغة عن طريق المشاركين في المنتدى وخصوصا أصدقاءنا العرب - الأمريكيين قررت وبكل تواضع ان أتحدث باللغة الانجليزية )

- وعن أسلوب المحاورة الجدلية كان موضوع الإرهاب والاتهامات التي وجهها الغرب الى الاسلام في هذا الشأن من ابرز الموضوعات التي اعتمد فيها الامير سعود الفيصل على الأسلوب الجدلي فعلى سبيل المثال سرد الامير في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي الأميركي العربي لعام ٢٠٠٣ م مجموعة من الحجج والبراهين التي تدحض الاتهامات الموجهة الى الاسلام والمسلمين فبعد ان أكد ان الروابط بين الأمريكان والسعوديين قوية لأن القيم في صميمها متشابهة وقال ( فكما هو الشعب الامريكي كذلك السعوديون حريصون على المحافظة على طبيعتهم وتميزهم وكذلك إيمانهم وثقتهم بالله ثم بتاريخهم وحضارتهم وأملهم في مستقبل افضل لاولادهم وأحفادهم )
بعد ذلك دخل الامير سعود في حوار دشنه بنفسه بين الحجة والحجة ليدحض كافة الحجج التي يسردها من يشنون حملات ضد الاسلام والمسلمين وكذلك المملكة وإلصاق تهم الإرهاب بهم .

رحم الله الامير سعود الفيصل رحمة الأبرار واثابه عن. وطنه وأمته خير الثواب