عقل يختلق من الخيال حقيقة للبحث عن معنى صادق، وعاطفة تحمل قيمة الوجود في حب وسلام.
الآن.. أو مُت!
يرتمي عقلي للماضي والمستقبل بصورة ترددية من دون أمر ذاتي. يتفاعل عقلي مع الأحداث التي وقعت في الماضي بأن يتذكرها إما بخير أو شر، وكذلك مع المستقبل كأن يبتكر صورة لما سيحدث بعد فترة قصيرة إن لم يتحقق حدث منشود أو متوقع. العقل البشري عن فطرة أو بما صُيِّرَ إليه، لا يستميل أن يعيش لحظة "الآن!" بقدر ما يعشق التجول في أحداث الماضي بدقائقه، البعيد منها والقريب، أو استباق خط الزمن والتعجل بتصوير فلم سنمائي للأحداث التي تستميل وقوعها النفس أو تخافها. "الآن" هي منطقة ضيقة وقصيرة زمنيًا كما يراها العقل، ويعتقد بأنها منطقة غير جديرة بالاهتمام لطبيعتها البطيئة بالمقارنة مع سرعة عمل العقل في التحليل والتخيل واستذكار المعلومات. "الآن" هي الآن هذه اللحظة التي تقع فيها عينك على الحرف في غضون أجزاء من الثانية وتنتقل للحرف الذي يليه. "الآن" هي دعوة للعقل لأن يصبح أكثر واقعية وأن يركز في حدث هذه اللحظة ولو ببساطته. "الآن" هو الوعي. أما الماضي والمستقبل فهما عدم انتهى ولو بأثر، أو خيال خاطئ غالبًا، مجرد التواجد فيهما هو إعلان بإهمال قيمة الوجود وعظمة الوعي المتجدد في عقلك الذي يقودك لأن ترقى في الحياة إما متأملًا أو محسنًا.
عش اللحظة كسلسلة لا تنفكّ، استشعر وجودك في هذا المكان أثناء هذه النقطة الزمنية. لا تجعل عقلك المجرد هو المسيطر على اختياراتك وقراراتك. عقلك يكرهك. يفرض عليك القيود التي لم تُقيد بها، ويجعلك تفكر بلا وعي في أشياء غريزية مادية وبصورة مستمرة. العقل لا يعطي المعنى ولكن يربط بين العناصر فيشكل نظام بصورة دقيقة. هذا النظام قد يكون أحد عناصره إما نتيجة من حدث ماضي تكرهه، أو أفلاطونية مستقبل ترغبه. هذا النظام -على سبيل التخصيص، مثالًا- ستتداوله اجتماعيا كشيء ترى بالضرورة أن يعرفه/يمارسه الآخر. بسبب مكونها الذي اختلط فيه الضعف والقوة، أصبحت تقدم شبه معنى ناقص بل ربما أشنع من هذا، معنى مشوّه، لا يزيده شدة الإمعان إلا خطأً! عقلك ظالم ولا يفرق بين الصواب والخطأ لأنه لا يحمل المعنى.
لكي تعطي الأشياء قيمتها الحقيقية ومعناها العميق، تحتاج إلى قوة "الآن" التي تنبعث من مصدر "الوعي" وتملي على العقل الحقيقة بلا زيف أو تعطيل.
راقب نفسك، وافهم معنى تفاعل العقل مع الجسد "المشاعر"، ولاحظ طبيعة هذا التفاعل. على سبيل المثال، إذا كنت في مزاج حسن، فاستشعر هذا الشعور، اجعل عقلك يعلم بأنك في مزاج حسن. فهمك لنفسك عملية عميقة تحتاج لزمن غير قصير، فهمك لنفسك يعني أن تستشعر معنى الوجود المعقد، معنى قيمة الخير والشر، معنى خلفية الأفعال وبواعثها...
المعنى عميق، ولكن العقول مجردة!
